وهذا قول طائفة من المفسرين. قالوا: وهم أهل الأعراف. قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة وأطفال المشركين١.
وأرباب هذا القول إن أرادوا أنَّ هذا المنزل مُستقَرُّهم أبدًا فباطل، فإنَّه لا مُستقَرَّ إلا الجنة أو النار. وإن أرادوا أنَّهم يكونون فيه مُدَّةً، ثم يصيرون إلى دار القرار، فهذا ليس بممتنع.
والصحيح في أهل الأعراف أنَّهم قوم تساوت حسناتُهم وسيِّئاتُهم، فقصُرَت بهم حسناتُهم عن النار، وقصُرَت بهم سيِّئاتُهم عن الجنة، فبَقُوا بين الجنة والنار. كذا قال غير واحد من الصحابة منهم: حذيفة، وأبو هريرة، وغيرهما٢.
فصل
المذهب الخامس: أنَّهم مردودون إلى محض مشيئة الله فيهم بلا سبب ولا عمل، فيجوز أن يعُمَّهم جميعَهم بعذابه، وأن يعُمَّهم جميعَهم٣
(١) كذا، والذي في «معالم التنزيل» للبغوي (٣/ ٢٣٣): «قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم. وقيل: هم أطفال المشركين». فقول «هم أطفال المشركين» ليس من كلام الكناني. ولعل نسخة المؤلف منه كان فيه سقط أدَّى إلى هذا الخلط. وفي «الكشف والبيان» للثعلبي (١٢/ ٣٥٩): «وفي تفسير المَنْجُوفي أنهم أولاد المشركين». ولم يتبيَّن من المنجوفي هذا، والمشهور بهذه النسبة شيخ البخاري: أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف السدوسي المنجوفي (ت ٢٥٢).
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٢١٢ وما بعدها) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٥/ ١٤٨٥).
(٣) «بعذابه، وأن يعُمَّهم جميعَهم» سقط من المطبوع لانتقال النظر.
برحمته، وأن يدخل بعضهم الجنة وبعضهم النار. ولا سبيل لنا إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلَّا بخبر يَجِب المصير إليه، وكلُّها جائزةٌ بالنسبة إلى الله، وإنَّما يترجَّح بعضُها على بعض بمجرَّد المشيئة.
وهذا قول الجَبْريَّة نُفاةِ الحكمة والتعليل. وقد ظنَّ كثيرٌ من هؤلاء أنَّ هذا جواب النبي ﷺ حيث سُئِل عنهم فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وهذا الفهم غلطٌ على رسول الله ﷺ، وجوابُه لا يدُلُّ على ذلك أصلًا، بل هو حجةٌ عليهم، فإنَّه لم يقُلْ: هم في مشيئة الله يفعل فيهم ما يشاء بلا سبب ولا عمل، بل أخبر أنَّ الله يعلم أعمالهم التي يستحقُّون بها الثواب أو العقاب لو عاشوا.
وقد دلَّت الآثار التي سنذكرها على ظهور معلومه فيهم في الدار الآخرة، الذي يقع عليه الثواب والعقاب.
وهذا المذهب مَبنِيٌّ على أصول الجبريَّة المنكرين للأسباب والحِكَم والتعليل. وهو مذهب مخالف للعقل والفطرة، والقرآن والسنة، وجميع ما جاءت به الرسل.
فصل
المذهب السادس: أنَّهم خدَمُ أهل الجنة ومماليكُهم. وهم معهم بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا. وهذا مذهب سلمان.
واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ عن أبي حازم المديني، عن يزيد الرقاشي، عن أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سألتُ ربي اللَّاهين من ذريَّة البشر أن لا يعذِّبَهم، فأعطانيهم، فهم خَدَمُ أهل