أحكام أهل الذمة

فصل

وقوله: "فإن سألوك على أن تُنزِلهم على حكم الله فلا تُنزِلْهم على حكم الله، فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله فيهم أم لا" فيه حجةٌ ظاهرةٌ على أنه لا يَسُوغ إطلاق حكم الله على ما لا يعلم العبد أن الله حكم به يقينًا من مسائل الاجتهاد، كما قال بعض السلف١: ليتَّقِ أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا أو حرَّم كذا، فيقول الله له كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا ولم أُحرِّمه.

وهكذا لا يَسُوغ أن يقول: "قال رسول الله ﷺ " لِما لا يعلم صحته ولا ثقةَ رُواته، بل إذا رأى أيَّ حديث كان في أي كتابٍ، يقول: "لقوله ﷺ "، أو "لنا قوله ﷺ ". وهذا خطرٌ عظيمٌ، وشهادةٌ على الرسول بما لا يعلم الشاهد٢.

وكذلك لا يَسُوغ له أن يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم

  1. (١) رُوي ذلك عن الربيع بن خُثيم، أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٩٠)، وابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٥٣)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٥٢٩) وغيرهم.
  2. (٢) انظر: "المجموع" للنووي (١/ ٦٣)، ففيه: قال المحققون من أهل الحديث وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه: "قال رسول الله ﷺ " ... وذلك أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه، فلا ينبغي أن يُطلق إلّا فيما صح، وإلّا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه. وهذا الأدب أخلَّ به جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، بل جماهير أصحاب العلوم مطلقًا ما عدا حذَّاق المحدثين، وذلك تساهل قبيح.
29

يخبر به سبحانه عن نفسه، ولا أخبر به رسوله عنه، كما يستسهله أهل البدع. بل لا يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله عنه. وإذا كان النبي ﷺ قد منع الأمير أن يُنزِل أهلَ الحصن على حكم الله وقال: "لعلك لا تدري أَتُصِيبُه أم لا"، فما الظنُّ بالشهادة على الله والحكمِ عليه بأنه كذا أو ليس كذا؟

والحديث صريحٌ في أن حكم الله سبحانه في الحادثة واحدٌ معينٌ، وأن المجتهد يصيبه تارةً ويخطئه تارةً، وقد نصَّ الأئمة الأربعة على ذلك صريحًا.

قال أبو عمر بن عبد البر١: ولا أعلم خلافًا بين الحذَّاق من شيوخ المالكيين ــ ثم عدَّهم ــ ثم قال: كلٌّ يَحكي أن مذهب مالك في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نوازل الأحكام= أن الحقَّ من ذلك عند الله واحدٌ من أقوالهم واختلافهم، إلا أنَّ كلَّ مجتهدٍ إذا اجتهد كما أُمِر، وبالغ ولم يَألُ، وكان من أهل الصناعة، ومعه آلة الاجتهاد= فقد أدَّى ما عليه، وليس عليه غيرُ ذلك، وهو مأجورٌ على قصده الصوابَ وإن كان الحق من ذلك واحدًا.

قال: وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي٢.

قال: وهو المشهور من قول أبي حنيفة فيما حكاه محمد بن الحسن

  1. (١) في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ٩١٩).
  2. (٢) انظر "الأم" (٩/ ٧٧)، و"البرهان" (٢/ ١٣١٩)، و"المستصفى" (٢/ ٣٥٧) وغيرها.
30

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي