الله ﷿ يؤجِّج لهم نارًا في الآخرة، ثم يقول: «اقْتحِموها»١، كما جاءت الرواية بذلك». هذا قوله في «الإبانة» وهي من آخر كتبه.
وقال في كتاب «المقالات»٢: وإنَّ الأطفال أمرُهم إلى الله، إن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم كما يريد.
وهذا المذهب حكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في «الرد على ابن قتيبة»، واحتج له فقال: «ذِكرُ الأخبار التي احتجَّ بها مَن أوجب امتحانهم واختبارهم في الآخرة».
فقال: حدثنا إسحاق٣، أخبرنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أنَّ نبي الله ﷺ قال: «أربعةٌ يُمتحنون٤ يوم القيامة: رجلٌ أصمُّ لا يَسمع، ورجل أحمق، ورجل هَرِمٌ، ورجل مات في الفترة. أمَّا الأصم فيقول: يا ربِّ، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأمَّا الأحمق فيقول: يا ربِّ، قد جاء الإسلام والصِّبيان يرمونني بالبعر.
(١) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٢) (ص ٢٩٦).
(٣) وهو في «مسنده» (٤١)، ومن طريقه أخرجه ابن حبان (٧٣٥٤) والطبراني (١/ ٢٨٧) والضياء في «المختارة» (٤/ ٢٥٦). وأخرجه أحمد (١٦٣٠١) ــ ومن طريقه الضياء (٤/ ٢٥٥) ــ والبيهقي في «القضاء والقدر» (٦٤٤) عن علي بن المديني عن معاذ به. والظاهر أن فيه انقطاعًا بين قتادة والأحنف، فإن قتادة يروي عن الحسن عنه كما في غير ما حديث. وأيضًا فإن قتادة ولد سنة ٦٠، والأحنف توفي سنة ٦٧ أو ٧١ أو ٧٢، مما يبعُد معه سماعُه منه.
(٤) كذا في الأصل والمطبوع، ولعله تصحيف عن «يحتجُّون» كما في مصادر التخريج.
وأمَّا الهَرِم فيقول: يا ربِّ، قد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأمَّا الذي مات في الفترة فيقول: ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه، فيُرسِل إليهم رسولًا: أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا».
حدثنا إسحاق١، أخبرنا معاذ بن هشامٍ، أخبرني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة ﵁ بمثل هذا الحديث، غير أنَّه قال في آخره: «فمَن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن لم يدخلها سُحِب إليها».
حدثنا أبو بكر بن زَنجَويه، ثنا عبد الرحمن، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «ثلاثةٌ يُمتحَنون يوم القيامة: المَعتُوه، والذي هَلَك في الفترة، والأصمُّ ...» فذكر الحديث٢.
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو نصر التَّمَّار، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد٣، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعةٌ كلُّهم يومَ القيامة يُدلِي على الله بحجة وعذر: رجلٌ هَلَك في
(١) «مسند إسحاق» (٤٢). وأخرجه أحمد (١٦٣٠٢) ــ ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٤/ ٢٥٥) ــ والبيهقي في «الاعتقاد» (ص ١٨٥) وفي «القضاء والقدر» (٦٤٥) عن علي بن المديني عن معاذ به. رجاله ثقات، وقد صحح البيهقي إسناده في كتابيه. وله طريق آخر عن أبي رافع، وسيأتي قريبًا.
(٢) وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٣٧٤) عن معمر به، ولفظه: «إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم ...».
(٣) في الأصل والمطبوع: «بن يزيد»، تصحيف. وهو علي بن زيد بن جُدعان.