أحكام أهل الذمة

نستطيع أن ندخلها، فيقول ادخلوها داخرين». قال نبي الله ﷺ: «لو دخلوها أوَّلَ مرَّة كانت عليهم بردًا وسلامًا»١.

فإن قيل: هذه الأحاديث مع ضعفها مخالفةٌ لكتاب الله، ولقواعد الشريعة، فإنَّ الآخرة ليست دار تكليف، وإنَّما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ثَمَّ دارُ جزاء غيرها.

قال أبو عمر في «الاستذكار»٢ وقد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهذه الأحاديث كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجةٌ، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأنَّ الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل ولا ابتلاء. وكيف يُكلَّفون دخولَ النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها؟ ولا يخلو من مات في الفترة من أن [يموت] كافرًا أو غير كافرٍ، فإن مات كافرًا جاحدًا فإنَّ الله حرَّم الجنَّة على الكافرين فكيف يُمتحَنون؟ وإن كان معذورًا بأنَّه لم يأتهِ نذيرٌ ولا رسولٌ، فكيف يُؤمَر أن

  1. (١) وأخرجه البزار (٤١٦٩) من طريق آخر عن ريحان بن سعيد به. وإسناده ضعيف، ريحان صدوق ولكن أحاديثه عن عبَّاد بن منصور عن أيوب مناكير، وعبَّاد أيضًا فيه لين وقد روى أحاديث مناكير. وللحديث طريق آخر عن أبي قلابة به، أخرجه البزار (كشف الأستار: ٣٤٣٤) والحاكم (٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، وهو واهٍ أيضًا، فيه إسحاق بن إدريس الأسواري: متروك، كان يسرق الحديث، واتُّهم بالوضع.
    والصحيح في هذا الحديث أنه من رواية أبي قلابة عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في زوائده على كتاب «الزهد» لابن المبارك (١٣٢٣) عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عنه. وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين.
  2. (٢) (٨/ ٤٠٤). وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
263

يَقتحِم النَّار وهي أشدُّ العذاب؟ والطفل ومَن لا يعقل أحرى بأن لا يُمتحَن بذلك.

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنَّ أحاديث هذا الباب قد تَضَافرَت، وكثُرَت بحيث يشدُّ بعضُها بعضًا، وقد صحَّح الحفَّاظ بعضَها كما صحَّح البيهقيُّ وعبدُ الحق١ وغيرهما حديث الأسود بن سريع.

وحديث أبي هريرة إسناده صحيح متصلٌ. ورواية معمر له عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا لا تضُرُّه، فإنَّا إن سلكنا طريق الفقهاء والأصوليين في الأخذ بالزيادة من الثقة فظاهرٌ، وإن سلكنا طريق الترجيح ــ وهي طريقة المحدثين ــ فليس مَن رَفَعه بدون من وَقَفه في الحفظ والإتقان.

الوجه الثاني: أنَّ غاية ما يُقدَّر فيه أنَّه موقوف على الصحابي. ومثل هذا لا يُقدِم عليه الصحابيُّ بالرأي والاجتهاد، بل نجزم بأنَّ ذلك توقيفٌ لا عن رأي.

الوجه الثالث: أنَّ هذه الأحاديث يشُدُّ بعضُها بعضًا، فإنَّها قد تعدَّدت طرقُها، واختلفتْ مخارجها، فيَبعُد كلَّ البعد أن تكون باطلةً على رسول الله ﷺ لم يتكلَّم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودوَّنوها ولم يطعنوا فيها.

  1. (١) لم أقف على توثيقهما له، وعبد الحق قد ذكره في «الأحكام الكبرى» (٣/ ٤٠٦) ولكن ليس فيه تصحيحه، والذي في كتابي البيهقي «القدر» و«الاعتقاد» أنه صحَّح إسناد حديث أبي هريرة كما سبق.
264

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي