أنكروها وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكاه١ الأشعريُّ اتفاقَ أهل السنة والحديث، وقد بيَّنَّا أنَّه مقتضى قواعد الشرع.
الوجه الثامن: أنَّه قد نصَّ جماعةٌ من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار. ذكره البيهقي٢ عن غير واحد من السلف.
الوجه التاسع: ما ثبت في «الصحيحين»٣ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها: أنَّ الله تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غيرَ الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيرَه، فيقول الله له: «ما أغدرك!». وهذا الغدر٤ منه لمخالفته العهد الذي عاهده ربَّه عليه، وهذه معصيةٌ منه.
الوجه العاشر: قد ثبت أنَّه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المخالفين وبينه٥. وهذا تكليفٌ بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف يُنكَر التكليف بدخول النار اختبارًا٦ وامتحانًا؟
(١) غيَّره في المطبوع إلى: «حكى [فيه]»، مع أن ما في الأصل لا غبار عليه.
(٢) لم أجده. وانظر: «القضاء والقدر» له (ص ٣٦٢).
(٣) «صحيح البخاري» (٨٠٦) و«صحيح مسلم» (١٨٢).
(٤) في المطبوع: «أعذرك ... العذر»، تصحيف.
(٥) كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾[القلم: ٤٢].
(٦) في المطبوع: «اختيارًا»، تصحيف. وسقط: «وامتحانًا» بعده.
الوجه الحادي عشر: أنَّه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالُهم وتكليفُهم الجوابَ. وهذا تكليفٌ بعد الموت برَدِّ الجواب.
الوجه الثاني عشر: أنَّ أمرهم بدخول النار ليس عقوبةً لهم، وكيف يعاقبهم على غير ذنب؟ وإنَّما هو امتحان واختبار لهم: هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه ودخلوها لم تضُرَّهم، وكانت عليهم بردًا وسلامًا، فلمَّا عصوه وامتنعوا من دخولها استَوجَبُوا عقوبته بمخالفة١ أمره.
والملوك قد تَمتحِن مَن يُظهِر طاعتَهم هل هو منطوٍ عليها بباطنه؟ فيأمرونه بأمرٍ شاقٍّ عليه في الظاهر هل يوطِّن نفسَه عليه أم لا؟ فإن أَقدَم عليه ووطَّن نفسه على فعله أعفوه منه، وإن امتنع وعصى ألزموه به أو عاقبوه بما هو أشدُّ منه.
وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مرادُه سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلمَّا فعل ذلك رَفَع عنه الأمر بالذبح.
وقد ثبت أنَّ الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار، وهي نارٌ في رأي العين ولكنها لا تحرق، فمن دخلها لم تضره٢. فلو أنَّ هؤلاء يُوطِّنون أنفسهم على دخول النار التي أُمِروا بدخولها طاعةً لله ومحبةً له وإيثارًا لمرضاته وتقرُّبًا إليه بتحمُّل ما يُؤلِمهم= لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته
(١) في المطبوع: «عقوبة مخالفة»، خلاف الأصل.
(٢) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٣٣٨) ومسلم (٢٩٣٦).