عهده. فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك، وأقرَّ مَن أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط.
قال الخلال في كتاب «أحكام أهل الملل»١: أخبرنا عبد الله بن أحمدفذكره.
وذكر سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبتُ لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالَحَ نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولَها ديرًا ولا كنيسةً ولا قلَّايةً ولا صَومَعةَ راهبٍ، ولا يُجدَّد ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن يَنزِلها أحدٌ من المسلمين ثلاثَ ليالٍ يُطعِمونهم، ولا يُؤوُوا جاسوسًا، ولا يَكتُموا غِشًّا للمسلمين، ولا يعلِّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهِروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقِّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبَّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا يتكنَّوا بكُناهم، ولا يركبوا سُرُجًا ولا يتقلَّدوا سَيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجُزُّوا مقادِم رؤوسهم، وأن يَلزَموا زِيَّهم حيثما كانوا، وأن يشُدُّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهِروا صليبًا ولا شيئًا من كُتُبهم في شيء من طُرق المسلمين، ولا يُجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًّا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع موتاهم [أصواتهم]٢، ولا
(١) من «الجامع» (٢/ ٤٣١) كما سبق.
(٢) مستدرك من مصادر التخريج.
يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سِهام المسلمين. فإن خالفوا شيئًا ممَّا شرطوه فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحِلُّ من أهل المُعانَدة والشِّقاق١.
وقال الرَّبيع بن ثعلب: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العَيزار، عن سفيان الثوري والوليد بن نوح والسَّرِي٢ بن مُصرِّف يذكرون عن طلحة بن مُصرِّف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: كتبتُ لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالَحَ نصارى أهل الشام: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ لعبد الله عمرَ أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنَّكم لمَّا قَدِمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل مِلَّتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نُحدِث في مدائننا ولا فيما حولها ديرًا ولا قلَّايةً ولا كنيسةً ولا صَوْمَعة راهبٍ ...» فذكر نحوه٣.
(١) أخرجه بهذا اللفظ ابنُ حزم في «المحلى» (٧/ ٣٤٦) بالإسناد الآتي ذكرُه ــ وهو ضعيف جدًّا ــ إلى سفيان الثوري به، إلا أنه قد سقط هنا «طلحة بن مصرف» بين سفيان ومسروق، وقد سقط أيضًا من «الأحكام الوسطى» لعبد الحق (٣/ ١١٥) حيث علَّقه عن سفيان به سواء، والظاهر أن المؤلف صادر عنه.
(٢) في المطبوع: «واليسرى»، تصحيف.
(٣) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (٣٦٥) والبيهقي في «السنن الكبير» (٩/ ٢٠٢) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/ ١٧٧) وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٣٣٤) من طرق عن الربيع بن ثعلب به. وإسناده واهٍ، فإن يحيى بن عقبة بن أبي العَيزار منكر الحديث، متَّهم بالكذب. ولكنه توبع، تابعه عبد الملك بن حميد بن أبى غنية ــ وهو ثقة ــ عن الشيوخ الثلاثة به، أخرجه ابن عساكر (٢/ ١٧٨) بإسناد لا بأس به. ولعل الحديث حديث عبد الملك بن حميد، فسرقه منه يحيى بن عقبة. وللكتاب طريقان آخران ضعيفان إلى سفيان الثوري وإلى عبد الرحمن بن غنم. انظر: «مسند الفاروق» (٢/ ٣٣٧).