أحكام أهل الذمة

يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سِهام المسلمين. فإن خالفوا شيئًا ممَّا شرطوه فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحِلُّ من أهل المُعانَدة والشِّقاق١.

وقال الرَّبيع بن ثعلب: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العَيزار، عن سفيان الثوري والوليد بن نوح والسَّرِي٢ بن مُصرِّف يذكرون عن طلحة بن مُصرِّف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: كتبتُ لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالَحَ نصارى أهل الشام: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ لعبد الله عمرَ أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنَّكم لمَّا قَدِمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل مِلَّتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نُحدِث في مدائننا ولا فيما حولها ديرًا ولا قلَّايةً ولا كنيسةً ولا صَوْمَعة راهبٍ ...» فذكر نحوه٣.

  1. (١) أخرجه بهذا اللفظ ابنُ حزم في «المحلى» (٧/ ٣٤٦) بالإسناد الآتي ذكرُه ــ وهو ضعيف جدًّا ــ إلى سفيان الثوري به، إلا أنه قد سقط هنا «طلحة بن مصرف» بين سفيان ومسروق، وقد سقط أيضًا من «الأحكام الوسطى» لعبد الحق (٣/ ١١٥) حيث علَّقه عن سفيان به سواء، والظاهر أن المؤلف صادر عنه.
  2. (٢) في المطبوع: «واليسرى»، تصحيف.
  3. (٣) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (٣٦٥) والبيهقي في «السنن الكبير» (٩/ ٢٠٢) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/ ١٧٧) وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٣٣٤) من طرق عن الربيع بن ثعلب به. وإسناده واهٍ، فإن يحيى بن عقبة بن أبي العَيزار منكر الحديث، متَّهم بالكذب. ولكنه توبع، تابعه عبد الملك بن حميد بن أبى غنية ــ وهو ثقة ــ عن الشيوخ الثلاثة به، أخرجه ابن عساكر (٢/ ١٧٨) بإسناد لا بأس به. ولعل الحديث حديث عبد الملك بن حميد، فسرقه منه يحيى بن عقبة. وللكتاب طريقان آخران ضعيفان إلى سفيان الثوري وإلى عبد الرحمن بن غنم. انظر: «مسند الفاروق» (٢/ ٣٣٧).
276

وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإنَّ الأئمة تلقَّوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجُّوا بها، ولم يزَل ذكرُ الشروط العُمَرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أَنفَذها بعدَه الخلفاءُ وعَمِلوا بموجَبها.

فذكر أبو القاسم الطَّبري١ من حديث أحمد بن يحيى الحُلْواني: حدثنا عبيد بن جناد: حدثنا عطاء بن مسلم الحَلَبي، عن صالح المُرادي، عن عبد خير قال: رأيتُ عليًّا صلَّى العصر فصفَّ له أهل نجران صفَّين، فناوله رجل منهم كتابًا، فلمَّا رآه دَمَعَت عينُه ثم رفع رأسَه إليهم قال: يا أهل نجران، هذا والله خطِّي بيدي وإملاء رسول الله ﷺ. فقالوا: يا أمير المؤمنين، أَعطِنا ما فيه. قال: ودنوت منه فقلت: إن كان رادًّا على عمر يومًا فاليوم يَرُدُّ عليه! فقال: لستُ برادٍّ على عمر شيئًا صنَعَه، إنَّ عمر كان رشيد الأمر، وإنَّ عمر أخذ منكم خيرًا ممَّا أعطاكم، ولم يَجُرَّ عمر ما أخذ منكم إلى نفسه، إنَّما جرَّ لجماعة المسلمين.

وذكر ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشعبي: أنَّ عليًّا ﵁ قال لأهل نجران: إنَّ عمر كان رشيد الأمر، ولن أغيِّرَ شيئًا صنعه

  1. (١) هو هبة الله اللالكائي صاحب «شرح السنة»، وليس الأثر فيه، ولعله في كتاب آخر له ذكر فيه أحكام أهل الذمة والشروط العمرية، الذي سيكثر المؤلف النقلَ منه لاحقًا. وقد أخرجه أيضًا الآجري في «الشريعة» (١٢٣٣) عن أحمد بن يحيى الحلواني به. وأخرجه البيهقي (١٠/ ١٢٠) من طريق آخر عن عطاء بن مسلم به.
277

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي