قال الزجاج١: تأويل هذا: لولا دفعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّم في كل شريعة نبيٍّ المكانُ الذي يُصلَّى فيه، فلولا الدفع لهُدِّم في زمن موسى الكنائسُ التي كان يُصلَّى فيها في شريعته، وفي زمن عيسى الصَّوامعُ والبِيَع، وفي زمن محمدٍ المساجد.
وقال الأزهري٢: أخبر الله سبحانه أنَّه لولا دفعه بعضَ الناس عن الفساد ببعضهم لهُدِّمت متعبَّداتُ كلِّ فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان. فبدأ بذكر الصَّوامع والبيع لأنَّ صلوات مَن تقدَّم من أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم كانت فيها قبل نزول القرآن، وأُخِّرت المساجد لأنَّها حدثَت بعدهم.
(١) في «معاني القرآن» (٣/ ٤٣١)، والمؤلف صادر عن «البسيط» (١٥/ ٤٣٢) هنا وفي الأقوال الآتية.
(٢) في «تهذيب اللغة» (٣/ ٢٣٩).
وقال ابن زيد: الصَّلَوات صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو١.
قال الأخفش٢: وعلى هذا القول الصلوات لا تُهدَّم، ولكن يحلُّ٣ محلَّ فعلٍ آخر، كأنَّه قال: تركت صلواتٌ.
وقال أبو عبيدة٤: إنما يعني مواضع الصلوات.
وقال الحسن: يدفع عن مصلَّيات أهل الذمة بالمؤمنين٥.
وعلى هذا القول لا يحتاج إلى التقدير الذي قدَّره أصحاب القول الأول. وهذا ظاهر اللفظ ولا إشكال فيه بوجه، فإنَّ الآية دلَّت على الواقع، لم تدلَّ على كون هذه الأمكنة ــ غير المساجد ــ محبوبةً مرضيَّةً له، لكنَّه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعضٍ لهُدِّمَت هذه الأمكنة التي كانت محبوبةً له قبل الإسلام وأقرَّ منها ما أقرَّ بعده وإن كانت مسخوطةً له، كما أقرَّ أهلَ الذِّمة، وإن كان يُبغِضهم ويَمقُتهم ويدفع عنهم بالمسلمين مع بُغضِه لهم. وهكذا يدفع عن مواضع متعبَّداتهم بالمسلمين وإن كان يُبغِضها، وهو
(١) أخرجه الطبري (١٦/ ٥٨٥).
(٢) في «معاني القرآن» (٢/ ٤٥١).
(٣) كذا في الأصل، أي: يحلُّ فِعْلُ «هدمت» محلَّ «تُركت». وفي مطبوعة «البسيط»: «ولكن يُحمَل على فعلٍ آخر». وفي مطبوعة «المعاني»: «ولكن حمله ...».
(٤) في «مجاز القرآن» (٢/ ٥٢) ولفظه: «مجازها مصلَّيات»
(٥) ذكره عن الحسن أيضًا الجصَّاص في «أحكام القرآن» (٥/ ٨٣) والثعلبي في «الكشف والبيان» (١٨/ ٣٧٦).