أحكام أهل الذمة

سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أُقِرُّوا عليها شرعًا وقدرًا، فهو يُحِب الدَّفع عنها وإن كان يُبغِضها، كما يحب الدفع عن أربابها وإن كان يُبغِضهم.

وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى. وهو مذهب ابن عباس في الآية. قال ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»١: حدثنا أبو سعيد الأشجُّ: حدثنا عبيد الله هو ابن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عمَّن حدَّثه عن ابن عباس ﵄: ﴿لَّهُدِّمَت صَّوَامِعُ وَبِيَع﴾، قال: الصوامع: التي يكون [فيها]٢ الرهبان، والبيع: مساجد اليهود، وصلوات: كنائس النصارى، والمساجد: مساجد المسلمين.

قال ابن أبي حاتم٣: وأخبرنا الأشج، ثنا حفص بن غياث، عن داود، عن أبي العالية قال: ﴿لَّهُدِّمَت صَّوَامِعُ﴾، قال: صوامع وإن كان يُشرَك به! وفي لفظ: إنَّ الله يُحِب أن يُذكَر ولو من كافر.

وفي تفسير شيبان عن قتادة: الصوامع للصابئين، والبِيَع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين٤.

وقد تضمَّن الشرط ذِكر الدَّير والقَلَّاية والكنيسة والصومعة.

  1. (١) ليس في القدر المطبوع على المخطوط. وهو في «الدر المنثور» (١٠/ ٥٠٠)، وعزاه إلى عبد بن حميد أيضًا.
  2. (٢) مستدرك من «الدر المنثور».
  3. (٣) لم أجده مخرَّجًا عند غيره، ولا ذكره في «الدر المنثور».
  4. (٤) أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (٢/ ٣٩) والطبري (١٦/ ٥٨١ - ٥٨٥) من طريق معمر عن قتادة. وعزاه في «الدر المنثور» (١٠/ ٥٠١ - ٥٠٢) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
281

فأمَّا الدَّير فللنصارى خاصَّةً يبنونه للرهبان خارج البلد، يجتمعون فيه للرهبانية والتفرَّد عن الناس.

وأمَّا القَلَّاية فيَبْنيها رهبانُهم مرتفعةً كالمنارة. والفرق بينها وبين الدير أنَّ الدير يجتمعون فيه، والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه، ولا يكون لها بابٌ بل فيه١ طاقةٌ يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه٢.

وأمَّا الصومعة فهي كالقلَّاية تكون للراهب وحدَه. قال الأزهري٣: الصومعة من البناء سُمِّيت صومعةً لتلطُّف أعلاها. يقال: (صمَّع الثريدةَ) إذا رفع رأسها وحدَّده، وتُسمَّى الثريدة إذا كانت كذلك صومعةً. ومن هذا يقال: (رجل أصمع القلب) إذا كان حادَّ الفِطنة.

ومنهم من فرَّق بين الصومعة والقلاية بأنَّ القلاية تكون منقطعةً في فلاةٍ من الأرض، والصومعة تكون على الطُّرق.

وأمَّا البِيَع فجمع بِيعة، وأهل اللغة والتفسير على أنَّها مُتعبَّد النصارى، إلَّا ما حكيناه عن ابن عباس أنَّه قال: البيع مساجد اليهود.

وأمَّا الكنائس فجمع كنيسة، وهي لأهل الكتابين، ولليهود خاصَّةً الفُهُر بضم الفاء والهاء٤، واحدها فُهْر، وهو بيت المِدْرَاس الذي يتدارسون فيه

  1. (١) كذا في الأصل.
  2. (٢) وفي «تكملة المعاجم العربية» (٨/ ٣٧٤) ما يفيد أن القلاية إحدى الحجرات التي تبنى حول الدير لتكون مساكن للرهبان. والجمع: القلالي.
  3. (٣) في «تهذيب اللغة» (٢/ ٦٠ - ٦١)، والمؤلف صادر عن «البسيط» (١٥/ ٤٣٠).
  4. (٤) كذا، والمعروف في جمعه: «الفُهُور». انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٢/٧٥).
282

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي