أحكام أهل الذمة

فأمَّا الدَّير فللنصارى خاصَّةً يبنونه للرهبان خارج البلد، يجتمعون فيه للرهبانية والتفرَّد عن الناس.

وأمَّا القَلَّاية فيَبْنيها رهبانُهم مرتفعةً كالمنارة. والفرق بينها وبين الدير أنَّ الدير يجتمعون فيه، والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه، ولا يكون لها بابٌ بل فيه١ طاقةٌ يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه٢.

وأمَّا الصومعة فهي كالقلَّاية تكون للراهب وحدَه. قال الأزهري٣: الصومعة من البناء سُمِّيت صومعةً لتلطُّف أعلاها. يقال: (صمَّع الثريدةَ) إذا رفع رأسها وحدَّده، وتُسمَّى الثريدة إذا كانت كذلك صومعةً. ومن هذا يقال: (رجل أصمع القلب) إذا كان حادَّ الفِطنة.

ومنهم من فرَّق بين الصومعة والقلاية بأنَّ القلاية تكون منقطعةً في فلاةٍ من الأرض، والصومعة تكون على الطُّرق.

وأمَّا البِيَع فجمع بِيعة، وأهل اللغة والتفسير على أنَّها مُتعبَّد النصارى، إلَّا ما حكيناه عن ابن عباس أنَّه قال: البيع مساجد اليهود.

وأمَّا الكنائس فجمع كنيسة، وهي لأهل الكتابين، ولليهود خاصَّةً الفُهُر بضم الفاء والهاء٤، واحدها فُهْر، وهو بيت المِدْرَاس الذي يتدارسون فيه

  1. (١) كذا في الأصل.
  2. (٢) وفي «تكملة المعاجم العربية» (٨/ ٣٧٤) ما يفيد أن القلاية إحدى الحجرات التي تبنى حول الدير لتكون مساكن للرهبان. والجمع: القلالي.
  3. (٣) في «تهذيب اللغة» (٢/ ٦٠ - ٦١)، والمؤلف صادر عن «البسيط» (١٥/ ٤٣٠).
  4. (٤) كذا، والمعروف في جمعه: «الفُهُور». انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٢/٧٥).
282

العلم. وفي الحديث: أنَّ رسول الله ﷺ دَخَل على اليهود بيت مِدْراسهم١. وفيه أيضًا قول أنس: كأنَّهم اليهود حين خرجوا من فهرهم٢.

وحُكم هذه الأمكنة كلِّها حُكم الكنيسة، وينبغي التنبيه عليها.

ذكر حكم الأمصار التي وُجدت فيها هذه الأماكن

وما يجوز إبقاؤه وما يجب إزالتُه ومحوُ رسمه

البلاد التي تفرَّقها٣ أهلُ الذِّمة والعهد ثلاثة أقسام:

أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام.

الثاني: بلاد أُنشِئَت قبلَ الإسلام فافتتحها المسلمون عَنْوَةً وملكوا أرضها وساكنيها.

الثالث: بلاد أُنشِئت قبلَ الإسلام وفتحها المسلمون صُلحًا.

فأمَّا القسم الأول، فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة.

أمَّا البصرة والكوفة فأُنشِئَا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. قال

  1. (١) أخرجه البخاري (٣١٦٧) وغيره من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) إنما روي عن عليٍّ ﵁ بهذا اللفظ، قاله لمَّا رأى قومًا يصلُّون وقد سدلوا ثيابهم. أخرجه عبد الرزاق (١٤٢٣) وابن أبي شيبة (٦٥٤٢) وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٣٩) والبيهقي (٢/ ٢٤٣) بإسناد صحيح.
    وأما قول أنس، فأخرج البخاري (٤٢٠٨) عنه أنه نظر إلى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة، فقال: كأنَّهم السَّاعة يهود خيبر.
  3. (٣) كذا في الأصل على الحذف والإيصال، أي: تفرَّق فيها.
283

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي