أحكام أهل الذمة

وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا، وأن الصواب من الأقوال كجهة القبلة في الجهات، وعلى هذا أكثر من أربعين دليلًا قد ذكرناها في كتابٍ مفردٍ١، وبالله التوفيق.

والمقصود أن قول النبي ﷺ في حديث بُريدة: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" صريحٌ في٢ أن حكم الله واحدٌ، وأن المجتهد قد يُصيبه وقد يُخطئه، كما قال في الحديث الآخر: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ"٣. فمن قال: كل مجتهدٍ مصيبٌ بمعنى أنه يصيب حكم الله الذي حكم به في نفس الأمر فقوله خطأ، وإن أراد أنه مصيب٤ للأجر بمعنى أنه مطيعٌ لله في أداء ما كُلِّف به، فقوله صحيح إذا استفرغ المجتهد وُسْعَه وبذلَ جهدَه.

فصل

فلنرجع إلى الكلام في أحكام الجزية.

قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

  1. (١) لعله الكتاب الذي أشار إليه في "تهذيب السنن" (٣/ ١٣٧) بقوله: "كتاب مفرد في الاجتهاد"، وفي "مفتاح دار السعادة" (١/ ١٥٥) بقوله: "كتاب الاجتهاد والتقليد".
  2. (٢) "فيهم أم لا صريح في" ساقطة من المطبوع.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص بنحوه.
  4. (٤) "بمعنى أنه ... مصيب" ساقطة من المطبوع.
32

الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].

فالجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالًا وصَغارًا، والمعنى: حتى يُعطوا الخراج عن رقابهم.

واختُلف في اشتقاقها، فقال القاضي في "الأحكام السلطانية"١: اسمها مشتقٌّ من الجزاء، إما جزاءً على كفرهم لأخذها منهم صَغارًا، أو جزاءً على أماننا لهم لأخذِها منهم رفقًا.

قال صاحب "المغني"٢: هي مشتقّةٌ من جزاه بمعنى قضاه، لقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٧]. فتكون الجزية مثل الفدية.

قال شيخنا: والأول أصح، وهذا يرجع إلى أنها عقوبةٌ أو أجرةٌ.

وأما قوله: ﴿عَن يَدٍ﴾، فهو في موضع النصب على الحال، أي يعطوها أذِلَّاء مقهورين. هذا هو الصحيح في الآية.

وقالت طائفةٌ٣: المعنى من يدٍ إلى يدٍ نقدًا غير نسيئةٍ.

وقالت فرقةٌ٤: من يده إلى يد الآخذ، لا باعثًا بها ولا موكِّلًا في دفعها.

  1. (١) (ص ١٥٣). وهو صادر عن "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص ٢٢١).
  2. (٢) (١٣/ ٢٠٢).
  3. (٣) منهم شريك وعثمان بن مقسم، انظر: "زاد المسير" (٣/ ٤٢٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٨٢).
  4. (٤) روي ذلك عن ابن عباس، انظر "تفسير البغوي" (٢/ ٢٨٢)، و"تفسير القرطبي" (٨/ ١١٥)، و"الوسيط" للواحدي (٢/ ٤٨٩)، و"زاد المسير" (٣/ ٤٢٠).
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي