وقال قتادة: أوَّل مَن مصَّر البصرة رجل من بني شَيبان يُسمَّى المُثنَّى بن حارثة، وأنَّه كتب إلى عمر ﵁: إنِّي نزلتُ أرضًا بصرةَ. فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فاثبُتْ حتى يأتيك أمري. فبعث عُتبَة بن غَزْوان مُعلِّمًا وأميرًا، فغزا الأُبُلَّة١.
وقال حماد بن سلمة، عن حُمَيد، عن الحسن أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ مصَّر البصرة والكوفة٢.
فصل
وأمَّا وَاسِط فبناها الحجَّاج بن يوسف سنةَ ستٍّ وثمانين من الهجرة٣،
(١) لم أجد من أسنده عن قتادة.
(٢) من طريق حماد بن سلمة أخرجه الطحاوي في «أحكام القرآن» (١/ ١٤٥)، ولفظه: «أن عمر ﵁ مصَّر الأمصار سبعةً: المدينةُ مصر، والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر». وبنحوه أخرجه ابن سعد (٣/ ٢٦٤) من طريق الأشعث عن الحسن. وواضح من سياق قول الحسن أن المراد بالتمصير فيه: التقسيم الإداري، لا أن الأمصار المذكورة لم تكن من قبل، لأن ما سوى البصرة والكوفة كانت تكون من قبلُ.
(٣) وقيل: ابتدأ في بنائها سنة ثلاث ــ أو أربع ــ وثمانين، وفرغ منها سنة ست وثمانين. انظر: «فتوح البلدان» للبلاذري (٢/ ٣٥٥) و«تاريخ الطبري» (٦/ ٣٨٣) و«تاريخ دمشق» (٣٤/ ٤٨٧) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (٢/ ٩١٣) و«معجم البلدان» لياقوت (٥/ ٣٤٨).
في السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان.
وأمَّا بغداد فقال سليمان بن مجالد وزير أبي جعفر: خرجتُ مع أبي جعفرٍ يومًا قبل أن نَبْتني مدينة بغداد، ونحن نرتاد موضعًا نبني فيه مدينةً يكون فيها عسكرُه، قال: فبصُرنا بِقَسٍّ شيخٍ كبيرٍ ومعه جماعةٌ من النصارى، فقال: اذهب بنا إلى هذا القَسِّ نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلَّم عليه ثم قال: يا شيخ، أبلغك أنَّه يُبنَى هاهنا مدينة؟ قال: نعم، ولستَ بصاحبها. قال: وما عِلمُك؟ قال القَسُّ: وما اسمك؟ قال اسمي عبد الله. قال: فلستَ بصاحبها. قال: فما اسمُ صاحبها؟ قال: مِقْلاص. قال: فتبسَّم أبو جعفرٍ وأصغى إليَّ فقال: أنا والله مِقْلاص، كان أبي يُسمِّيني وأنا صغيرٌ مِقْلاصًا، فاختطَّ موضعَ مدينةِ أبي جعفرٍ١.
وتحوَّل أبو جعفرٍ من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومائة. وفرغ من بنائها ونَزَلها مع جنده وسمَّاها «مدينة السلام» سنة خمسٍ وأربعين. وفرغ من بناء الرُّصَافة٢ سنة أربع وخمسين ومائة٣.
(١) ذكره الطبري في «التاريخ» (٧/ ٦١٥) عن سليمان بن مجالد بنحوه. وانظر أيضًا في خبر الراهب (٧/ ٦١٧) و«تاريخ بغداد» (١/ ٣٧٤).