وقال أحمد٢: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر٣ قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة ــ يعني ابن محمد٤ ــ أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء.
قال عبد الرزاق٥: وأخبرنا مَعْمَر عمَّن سمع الحسن يقول: إنَّ من السُّنَّة أن تُهدَم الكنائسُ التي في الأمصار، القديمةُ والحديثةُ. ذكره أحمد عن عبد الرزاق.
وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مُقتضَى أصول الشرع وقواعدِه، فإنَّ إحداث هذه الأمور إحداثُ شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث موضع الكفر والشرك؟!
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) كما في «جامع الخلال» (٢/ ٤٢٦) عن عبد الله عنه. وهو في «مصنف عبد الرزاق» (٩٩٩٩).
(٣) «أخبرني معمر» سقط من مطبوعة «الجامع»، و«معمر» تصحيف، ولعله وقع مصحَّفًا في النسخة التي نقل منها المؤلف، والصواب «عمِّي» كما في «المصنف»، وقد سمَّاه عبد الرزاق فيه فقال: «أخبرني عمِّي وهبُ بن نافع».
(٤) هو عروة بن محمد بن عطية السعدي الجُشَمي، ولي إمرة اليمن لسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز.
(٥) في «المصنف» (١٠٠٠١). وهو في «الجامع» عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عنه.
فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصَّرها المسلمون؟
قيل: هي على نوعين:
أحدهما: أن تُحدثَ الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تُزَال اتفاقًا.
الثاني: أن تكون موجودةً بفلاةٍ من الأرض، ثمُّ يمصِّر المسلمون حولَها المصر، فهذه لا تُزَال، والله أعلم.
وورد على شيخنا استفتاءٌ في أمر الكنائس صورته١:
ما يقول السادة العلماء ــ وفقهم الله ــ في إقليمٍ تَوافَق أهلُ الفتوى في هذا الزمان على أنَّ المسلمين فتحوه عَنوةً من غير صلح ولا أمان، فهل مَلَك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟
وهل يكون الملك شاملًا لِما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدُّور والبِيَع والكنائس والقَلَّايات والدُّيُورة٢ ونحو ذلك؟ أو يختصُّ الملك بما عدا متعبَّدات أهل الشرك؟
فإنْ مَلَك جميع ما فيه، فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك مِن
(١) وقد نشره شيخنا محمد عزير شمس في «جامع المسائل» لشيخ الإسلام (٣/ ٣٦١ - ٣٧٠) اعتمادًا على كتابنا هذا بتحقيق صبحي الصالح ﵀. ولشيخ الإسلام مسألة أخرى في أمر الكنائس في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٣٢ - ٦٤٦)، وهي إجابة عن استفتاء ورد في الكنائس التي أغلقت في القاهرة بأمر ولاة الأمور.
(٢) جمع الدَّير، على غرار جمع بَعْل على بُعُولة، كما في «المصباح المنير» (ص ٢٠٥). وسائر المعاجم لم تذكر جمعًا غير «أديار».