أحكام أهل الذمة

فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصَّرها المسلمون؟

قيل: هي على نوعين:

أحدهما: أن تُحدثَ الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تُزَال اتفاقًا.

الثاني: أن تكون موجودةً بفلاةٍ من الأرض، ثمُّ يمصِّر المسلمون حولَها المصر، فهذه لا تُزَال، والله أعلم.

وورد على شيخنا استفتاءٌ في أمر الكنائس صورته١:

ما يقول السادة العلماء ــ وفقهم الله ــ في إقليمٍ تَوافَق أهلُ الفتوى في هذا الزمان على أنَّ المسلمين فتحوه عَنوةً من غير صلح ولا أمان، فهل مَلَك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟

وهل يكون الملك شاملًا لِما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدُّور والبِيَع والكنائس والقَلَّايات والدُّيُورة٢ ونحو ذلك؟ أو يختصُّ الملك بما عدا متعبَّدات أهل الشرك؟

فإنْ مَلَك جميع ما فيه، فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك مِن

  1. (١) وقد نشره شيخنا محمد عزير شمس في «جامع المسائل» لشيخ الإسلام (٣/ ٣٦١ - ٣٧٠) اعتمادًا على كتابنا هذا بتحقيق صبحي الصالح ﵀. ولشيخ الإسلام مسألة أخرى في أمر الكنائس في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٣٢ - ٦٤٦)، وهي إجابة عن استفتاء ورد في الكنائس التي أغلقت في القاهرة بأمر ولاة الأمور.
  2. (٢) جمع الدَّير، على غرار جمع بَعْل على بُعُولة، كما في «المصباح المنير» (ص ٢٠٥). وسائر المعاجم لم تذكر جمعًا غير «أديار».
292

النصارى واليهود ــ بذلك الإقليم أو غيره ــ الذمةَ على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البِيَع والكنائس والدُّيُورة ونحوها متعبَّدًا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنةٍ في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟

فإن لم يَجُز لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه، فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكمَ الغنيمة يتصرَّف فيه الإمام تصرُّفَه في الغنائم أم لا؟

وإن جاز للإمام أن يعقد الذِّمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها، فهل يملك من عُقِدت له الذمةُ بهذا العقد رقابَ البِيَع والكنائس والدُّيُورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا؟ لأجل أنَّ الجزية لا تكون عن ثمنِ مبيعٍ؟

وإذا لم يملكوا ذلك وبَقُوا على الانتفاع بذلك وانتقض عهدهم بسببٍ يقتضي انتقاضَه إمَّا بموتِ مَن وقع عقد الذمة معه ولم يُعْقِبوا أو أعقبوا، فإن قلنا: لكن١ أولادُهم يستأنف معهم عقد الذمة، كما نصَّ عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصَّبَّاغ وصحَّحه العراقيون٢ واختاره ابن أبي عصرون في «المرشد»، فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرطِ أن لا تُدخلوا٣ الكنائس والبِيَع والدُّيُورة في العقد، فتكون كالأموال التي جُهِل

  1. (١) كذا في الأصل.
  2. (٢) كأبي حامد الإسفراييني. قال الماوردي: هذا وهم. والظاهر من مذهب الشافعي أنهم يلتزمون جزية آبائهم من غير استئناف عقد معهم. انظر: «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٠٩).
  3. (٣) نقطه في الأصل بالياء، ولعل المثبت أشبه.
293

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي