أحكام أهل الذمة

سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد.

وليس لمعابد الكفار خاصَّةٌ تقتضي خروجها عن ملك المسلمين، فإنَّ ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدَّلًا، أو مُحدَثًا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعه. وقد أوجب الله على أهل دينه جهادَ أهل الكفر حتى يكون الدِّين كلُّه لله، وتكون كلمةُ الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، و﴿يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].

ولهذا لمَّا استولى رسولُ الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم كبني قَيْنُقَاع والنَّضِير وقُرَيظة كانت مَعابِدهم ممَّا استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦]، و﴿مَّا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اِلْقُرى﴾ [الحشر: ٧]، لكن وإنْ ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متنوِّعٌ١، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبَّر وأمِّ الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المُقاتِلين الذين يُؤسَرون وفي النساء والصبيان الذين يُسْبَون، كذلك يختلف حكمه٢ في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول.

  1. (١) في المطبوع: «متبوع»، خطأ.
  2. (٢) وقع في الأصل هنا: «في المقاتلين»، وهو مقحَم خطأ، لانتقال النظر إلى السطر السابق.
296

وقد أجمع المسلمون على أنَّ الغنائم لها أحكامٌ مختصَّةٌ بها لا تُقاس بسائر الأموال المشتركة.

ولهذا لمَّا فتح النبي ﷺ خيبر أقرَّ أهلها ذِمَّةً للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع مِلكًا للمسلمين عَامَلهم عليها رسولُ الله ﷺ بشطر١ ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثمَّ أجلاهم عمر ﵁ في خلافته٢، واسترجع المسلمون ما كانوا أقرُّوهم فيه من المساكن والمعابد.

فصل

وأمَّا أنَّه هل يجوز للإمام عقدُ الذِّمة مع إبقاء المَعابِد بأيديهم؟ فهذا فيه خلافٌ معروفٌ في مذاهب الأئمة الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركُها لهم لأنَّه إخراج مِلك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهدٍ قديم.

ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقرَّ النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقرَّ الخلفاء الراشدون الكفارَ على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم. فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار.

منهم من يُوجِب إبقاءَه، كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية.

ومنهم من يخيِّر الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة. وهذا قول

  1. (١) في المطبوع: «بشرط»، تصحيف.
  2. (٢) كما في حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري (٢٣٣٨، ٣١٥٢) ومسلم (١٥٥١).
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي