وقالت طائفةٌ١: معناه عن إنعامٍ منكم عليهم بإقراركم لهم وبالقبول منهم.
والصحيح القول الأول، وعليه الناس.
وأبعدَ كلَّ البعد ولم يُصِبْ مراد الله من قال٢: المعنى: عن يدٍ منهم، أي عن قدرةٍ على أدائها، فلا تُؤخذ من عاجزٍ عنها. وهذا الحكم صحيح، وحملُ الآية عليه باطلٌ، ولم يفسِّر به أحدٌ من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة، وإنما هو من حذاقة بعض المتأخرين.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ حالٌ أخرى، فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية منهم أن يأخذوها بقهرٍ وعن يدٍ، والثاني حال الدافع لها أن يدفعها وهو صاغرٌ ذليلٌ.
واختلف الناس في تفسير "الصغار" الذي يكونون عليه وقتَ أداء الجزية، فقال عكرمة٣: أن يدفعها وهو قائمٌ، ويكون الآخذ جالسًا.
وقالت طائفةٌ٤: أن يأتي بها بنفسه ماشيًا لا راكبًا، ويُطال وقوفُه عند
إتيانه بها، ويُجَرُّ إلى الموضع الذي تُؤخذ منه بالعنف، ثم تُجَرُّ يدُه ويُمتَهَن.
وهذا كله مما لا دليلَ عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا نُقِل عن رسول الله ﷺ ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك.
والصواب في الآية أن الصَّغار هو التزامهم لجريان أحكام الملَّة عليهم وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصَّغار.
وقد قال الإمام أحمد في رواية حنبلٍ١: كانوا يجرون في أيديهم ويختمون في أعناقهم إذا لم يُؤدُّوا، [قيل له: فترى ذلك؟ قال: نعم، وهو] الصَّغار الذي قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وهذا يدلُّ على أن الذمّي إذا بذلَ ما عليه والتزم الصَّغار لم يحتجْ إلى أن يُجَرَّ بيده ويُضْرَب.
وقد قال في رواية مهنا بن يحيى٢: يُستحبُّ أن يتعبوا في الجزية.
قال القاضي٣: ولم يُرِد تعذيبَهم ولا تكليفَهم فوقَ طاقتهم، وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالَهم.