أحكام أهل الذمة

ذلك على يديه وأعان عليه من أهل القرآن والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإنَّ الله بهم يُقيم دينَه كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].

فصل

الضرب الثاني من البلاد: الأمصار التي أنشأها المشركون ومصَّروها، ثم فتحها المسلمون عَنوةً وقهرًا بالسيف، فهذه لا يجوز أن يُحدَث فيها شيء من البيع والكنائس.

وأمَّا ما كان فيها من ذلك قبل الفتح، فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟ فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره:

أحدهما: يجب إزالتُه وتَحْرُم تبقيتُه، لأنَّ البلاد قد صارت ملكًا للمسلمين، فلم يجُزْ أن يُقَرَّ فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصَّرها المسلمون.

ولقول النبي ﷺ: «لا تصلح قبلتان ببلدٍ»١.

وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير.

  1. (١) تقدَّم قريبًا (ص ٣٠١).
305

ولأنَّ أمكنة البِيَع والكنائس قد صارت ملكًا للمسلمين، فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبَيعهم وإجارتهم إيَّاها لذلك.

ولأنَّ الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدِّين كلُّه له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره.

وهذا القول هو الصحيح.

والقول الثاني: يجوز إبقاؤها، لقول ابن عباس ﵄: أيما مصرٍ مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإنَّ للعجم ما في عهدهم١.

ولأنَّ رسول الله ﷺ فتح خيبر عنوةً وأقرَّهم على معابدهم فيها ولم يهدمها.

ولأنَّ الصحابة ﵃ فتحوا كثيرًا من البلاد عَنْوةً فلم يَهدِموا شيئًا من الكنائس التي بها. ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فُتِحت عَنْوةً، ومعلومٌ قطعًا أنَّها ما أُحدِثت بل كانت موجودةً قبل الفتح. وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عُمَّاله: أن لا تهدموا كنيسةً ولا بيعةً ولا بيت نارٍ٢. ولا يناقِض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنَّه أمر بهدم الكنائس٣، فإنَّها

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (٢٨٥) ــ وعنه ابن زنجويه (٤٠٠) ــ وابن أبي شيبة (٣٣٦٥٤) قالا: حدثنا حفص بن غياث عن أُبي بن عبد الله قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز.
  3. (٣) يدل عليه أن نهي عمر بن عبد العزيز جاء مقيَّدًا في رواية ابن أبي شيبة بما «صُولحوا عليه»، إذًا فلا يشمل المُحدَث منها.
306

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي