أحكام أهل الذمة

المعاوضة لمَّا علموا أنَّ للمسلمين أخذَ تلك الكنائس منهم، وأنَّها غير ملكهم كالأرض التي هي بها.

فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا١، وعليه يدلُّ فعل الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدَمَ منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقرَّ ما رأى المصلحة في إقراره.

وقد أفتى الإمام أحمدُ المُتوَكِّلَ بهدم كنائس السَّواد وهي أرض العنوة.

فصل

الضرب الثالث: ما فُتِح صلحًا، وهذا نوعان:

أحدهما: أن يصالحهم على أنَّ الأرض لهم ولنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مالٍ يبذلونه وهي الهُدْنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها، لأنَّ الدار لهم كما صالح رسول الله ﷺ أهل نَجْران ولم يشترط عليهم أن لا يُحدِثوا كنيسةً ولا ديرًا.

النوع الثاني: أن يصالحهم على أنَّ الدار للمسلمين، ويُؤدُّون الجزية إلينا. فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقيةٍ وإحداثٍ وعمارةٍ، لأنَّه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أنَّ الكلَّ لهم جاز أن يصالَحوا على أن يكون بعض البلد٢ لهم.

والواجب عند القدرة أن يُصالَحوا على ما صالحهم عليه عمر ﵁،

  1. (١) كما سبق في جواب الاستفتاء.
  2. (٢) في الأصل: «الولد»، تصحيف.
308

ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم: أن لا يحدثوا بيعةً ولا صومعة راهبٍ ولا قلَّايةً.

فلو وقع الصلح مطلقًا من غير شرطٍ حُمِل على ما وقع عليه صلحُ عمرَ وأخذوا بشروطه، لأنَّها صارت كالشرع، فيُحمَل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.

ذكر نصوص أحمد وغيره من الأئمة في هذا الباب

قال الخلال في كتاب «أحكام أهل الملل»١: باب الحكم فيما أحدثته النصارى مما لم يصالحوا عليه. أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: كان المتوكِّل لمَّا حدث من أمر النصارى ما حدث كتب إلى القضاة ببغداد يسألهم أبي حسَّان الزيادي٢ وغيرِه، فكتبوا إليه واختلفوا، فلما قُرِئ عليه قال: اكتب بما أجاب به هؤلاء إلى أحمد بن حنبل ليكتب إليَّ بما يرى في ذلك.

قال عبد الله: ولم يكن في أولئك الذين كتبوا أحدٌ يحتجُّ بالحديث إلا أبا حسان الزيادي، واحتجَّ بأحاديث عن الواقدي. فلما قرئ على أبي عرفه وقال: هذا جواب أبي حسَّان، وقال: هذه أحاديث ضِعافٌ، فأجابه أبي واحتجَّ بحديث ابن عباس ﵄، فقال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي،

  1. (١) من «الجامع» (٢/ ٤٢١).
  2. (٢) الحسن بن عثمان بن حمَّاد، القاضي المؤرخ العلامة، ولي قضاء الشرقية في إمرة المتوكل، وكان من كبار أصحاب الواقدي (ت ٢٤٢). انظر: «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٣٨).
309

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي