عن أبيه، عن حنشٍ، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب ــ أو دار العرب ــ هل للعجم أن يُحدثوا فيها شيئًا؟ فقال: أيما مصرٍ مصَّرته العرب ... فذكر الحديث١.
قال: وسمعت أبي يقول: ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصرٍ مصَّره المسلمون بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان لهم صُلْحًا، وليس لهم أن يُظهِروا الخمر في أمصار المسلمين، على حديث ابن عباس: أيُّما مصرٍ مصَّره المسلمون.٢
أخبرنا حمزة بن القاسم وعبد الله بن أحمد بن حنبلٍ وعصمة قالوا: حدثنا حنبلٌ قال: قال أبو عبد الله: وإذا كانت الكنائس صلحًا تُركوا على ما صولحوا عليه، فأمَّا العَنْوة فلا، وليس لهم أن يحدثوا بيعةً وكنيسةً لم تكن، ولا يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا ولا شيئًا ممَّا يجوز لهم فعله في دينهم، يمنعون من ذلك ولا يتركون.
قلت: للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك؟ قال: نعم، على الإمام منعُهم من ذلك، السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوةً. وأمَّا الصلح فلهم ما صُولِحوا عليه يُوفى لهم به. وقال: الإسلام يعلو ولا يُعلَى، ولا يُظهرون خمرًا.
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) بعد هذه الرواية وقبل الآتية ثلاث روايات في «جامع الخلال» ــ وهي عن المروذي وأبي طالب وأبي الحارث ــ لم يذكرها المؤلف هنا، لأنه سبق أن ذكرها (ص ٢٨٩ - ٢٩١).
قال الخلال١: كتب إليَّ يوسف بن عبد الله الإسكافي٢: حدثنا الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن البيعة والكنيسة تُحدَث، قال: يرفع أمرها إلى السلطان.
وقال محمد بن الحسن٣: لا ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسةٌ ولا بِيعةٌ، ولا يباع فيها خمرٌ وخنزيرٌ، مِصرًا٤ كان أو قريةً.
وقال الشافعي في «المختصر»٥: «ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسةً ولا مجتمعًا لصلواتهم. ولا يظهروا فيها حمل خمرٍ ولا إدخال خنزيرٍ. ولا يُحدِثون بناءً يطولون به على بناء المسلمين. وأن يُفرِّقوا بين هيئاتهم في المركب والملبس وبين هيئات المسلمين. وأن يعقدوا الزُّنَّار على أوساطهم. ولا يدخلوا مسجدًا. ولا يسقوا مسلمًا خمرًا، ولا يُطعمونه٦ خنزيرًا.
وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم يُعرَض لهم في خمرهم وخنازيرهم ورفع بنيانهم. وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسةٌ أو بناءٌ طويلٌ كبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك، وتُرِك على ما وُجِد، ومُنعوا من إحداث مثله.
(١) «الجامع» (٢/ ٤٢٥).
(٢) في الأصل: «الإسكاف»، والمثبت من «الجامع»، وكذا ورد في «السنة» له (٩٦٣).
(٣) في «السير الكبير» (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨ مع شرح السرخسي). والمؤلف صادر عن «الاختيار في تعليل المختار» لأبي الفضل الموصلي (٤/ ١٤٠).
(٤) في المطبوع: «ومصرًا»، خطأ.
(٥) أي برواية المزني (ص ٣٨٥). وهو في «الأم» (٥/ ٤٩٣ - ٤٩٥) بنحوه أطول منه.