أحكام أهل الذمة

يمكَّنون من إحداث كنيسةٍ بعدُ وإن كانوا معتزلين عن١ بلاد الإسلام.

فصل

وقد روى أبو داود في «سننه»٢ عن أَسباط، عن السُّدِّي، عن ابن عباس ﵄ قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلةٍ ... الحديث، وفيه: «ولا تُهدَم لهم بيعةٌ، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يُفتَنون عن دينهم ما لم يُحدِثوا حدثًا أو يأكلوا الربا».

فأبقى كنائسهم عليهم لمَّا كانت البلد لهم، وجعل الأمان فيها تبعًا لأمانهم على أنفسهم. فإذا زال شرط الأمان على أنفسهم بإحداث الحدث وأكل الربا، زال عن رقاب كنائسهم كما زال عن رقابهم.

فصل

في ذكر بناء ما استَهْدَم٣ منها، ورمِّ شَعَثِه، وذكر الخلاف فيه

قال صاحب «المغني»٤ فيه: «كل موضع قلنا: يجوز إقرارها، لم يجُزْ

  1. (١) في الأصل: «على»، خطأ.
  2. (٢) رقم (٣٠٤١)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢٠٢). إسناده لا بأس به، رجاله موثَّقون، على لينٍ في أسباط بن نصر.
  3. (٣) المعروف في اللغة: انهدم وتهدَّم. وقد ورد «استَهْدَم» بمعناهما مطاوعًا لـ «هَدَم» في كتب الحنابلة والشافعية، وقد نصُّوا على أنه بفتح التاء مبنيًّا للفاعل، ومع ذلك كثُر ضبطُه مبنيًّا للمجهول في طبعاتِ كثيرٍ من كتب المذهبين، فليصحَّح. انظر: «تحرير ألفاظ التنبيه» للنووي (ص ٢٠٣، ٣٢٠)، و«المُطلع على أبواب المقنع» للبعلي (ص ٢٢٥)، و«تكملة المعاجم» لدوزي (١١/ ٨).
  4. (٤) (١٣/ ٢٤١).
315

هدمُها».

وهذا ليس على إطلاقه، فإنَّ كنائس العَنْوة يجوز للإمام إقرارُها للمصلحة، ويجوز للإمام هدمُها للمصلحة. وبه أفتى الإمام أحمد المتوكلَ في هدم كنائس العَنوة كما تقدَّم١. وكما طلب المسلمون أخذ كنائس العنوة منهم في زمن الوليد حتى صالحوهم على الكنيسة التي زِيدَت في جامع دِمَشق٢، وكانت مُقَرَّةً بأيديهم من زمن عمر ﵁ إلى زمن الوليد، ولو وجب إبقاؤها وامتنع هدمها لمَّا أقرَّ المسلمون الوليد، ولغيَّره الخليفة الراشد ــ لمَّا وَلِي ــ عمرُ بن عبد العزيز، فلا تلازُمَ بين جواز الإبقاء وتحريم الهدم.

وقد اختلفت الرواية عن أحمد في بناء المُستهدِم ورمِّ الشَّعِث، فعنه المنع فيهما، ونصر هذه الرواية القاضي في «خلافه». وعنه الجواز فيهما، وعنه يجوز رمُّ شعثها دون بنائها.

قال الخلال في «الجامع»٣: باب البيعة تَهدَّمُ بأسرها أو تَهدَّمَ بعضُها. أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي: هل ترى لأهل الذِّمة أن يُحدِثوا الكنائس بأرض العرب؟ وهل ترى لهم أن يزيدوا في كنائسهم التي صولحوا عليها؟ فقال: لا يحدثوا في مصرٍ مصَّرته العرب كنيسةً ولا بيعةً، ولا يضربوا فيها بناقوسٍ. ولهم ما صُولِحوا عليه، فإن كان في عهدهم أن يزيدوا في

  1. (١) (ص ٣٠٩)
  2. (٢) تقدَّم (ص ٢٩٨ - ٢٩٩).
  3. (٣) (٢/ ٤٢٧).
316

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي