أحكام أهل الذمة

الكنائس فلهم، وإلَّا فلا. وما انهدم فليس لهم أن يبنوها.

أخبرني أحمد بن أبي الهيثم١ أنَّ موسى بن أحمد بن مُشَيشٍ٢ حدَّثهم في هذه المسألة أنه سأل أبا عبد الله فقال: ليس لهم أن يُحدثوا إلا ما صولحوا عليه، إلا أن يبنوا ما انهدم ممَّا كان لهم قديمًا.

قال الخلال: وإنَّما معنى قول أبي عبد الله هاهنا: «إنَّهم يبنون ما انهدم» يعني: مَرمَّةً يَرُمُّون. وأمَّا إن انهدمت كلُّها بأسرها، فعنده أنَّه لا يجوز إعادتها. وقد بيَّن أيضًا ذلك حنبلٌ عنه:

أخبرني عصمة بن عصامٍ قال: حدثنا حنبلٌ قال: سمعت أبا عبد الله قال: كلُّ ما كان ممَّا فتح المسلمون عَنْوةً فليس لأهل الذِّمة أن يُحدِثوا فيها كنيسةً ولا بِيعةً، فإن كان في المدينة لهم شيء فأرادوا أن يَرُمُّوه فلا يُحدِثوا فيه شيئًا إلا أن يكون قائمًا، فإن انهدمت الكنيسة أو البيعة بأسرها لم يبدلوا غيرها، وما كان من صُلحٍ كان لهم ما صولحوا عليه وشُرِط لهم، لا يغيَّر لهم شرطٌ شُرِط لهم.

  1. (١) في الأصل: «الخيثم»، تصحيف. وفي مطبوعة «الجامع»: «أحمد بن الهيثم»، ولم أتبيَّن الصواب.
  2. (٢) كذا في الأصل و«الجامع»، والظاهر أنه خطأ، فليس في أصحاب أحمد أحدٌ بهذا الاسم. وإنما هناك محمد بن موسى بن مُشَيش: مستملي أبي عبد الله، وجارُه، ومن كبار أصحابه، روى عنه مسائل. انظر: «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٩١) و«طبقات الحنابلة» (٢/ ٣٦٥).
317

قال الخلال: وهكذا هو في شرطهم أنَّه إن انهدم شيء رمُّوه، وإن انهدمت بأسرها لم يعيدوها.

قال القاضي في «تعليقه»: مسألة في البِيَع والكنائس التي يجوز إقرارها على ما هي عليه. إذا انهدم منها شيء أو تشعَّثَ فأرادوا عِمارته فليس لهم ذلك في إحدى الروايات نقلها عبد الله.

قال: ورأيت بخط أبي حفصٍ البَرْمَكي في رسالة أحمد إلى المتوكِّل في هدم البيع ــ روايةِ عبد الله بن أحمد عن أبيه ــ وذكر فيها كلامًا طويلًا إلى أن قال: وما انهدم فلهم أن يبنوها.

قال: وهذا يقتضي اختلاف اللفظ عن عبد الله، ويغلب في ظنِّي أنَّ ما ذكره أبو بكر أضبط ــ يعني: الخلَّال١ ــ فإنَّه قال: أخبرني عبد الله قال: قال أبي: وما انهدم فليس لهم أن يبنوها. ثم ذكر النصوص التي ذكرناها في رواية حنبلٍ وابن مُشَيشٍ واختيارَ٢ الخلال منعَ البناء وجوازَ رمِّ الشعث.

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال أبو سعيد الإصطخري: يمنعون من ذلك. قال: حتى إن انهدم حائط البيعة مُنعوا من إعادته ورده، وإن انثلم منعوا من سَدِّه، وإن أرادوا أن يطيِّنوا وجه الحائط الذي يلينا منعوا منه، وإن طينوا وجه٣ الحائط الذي يلي البيعة كان لهم ذلك، وكذلك إن بنوا

  1. (١) في «الجامع» (٢/ ٤٢٧).
  2. (٢) في الأصل: «واختار»، ولعل المثبت أشبه، وقد سبق كلام الخلال من «جامعه» آنفًا.
  3. (٣) «وجه» ساقط من المطبوع.
318

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي