أحكام أهل الذمة

قال الخلال: وهكذا هو في شرطهم أنَّه إن انهدم شيء رمُّوه، وإن انهدمت بأسرها لم يعيدوها.

قال القاضي في «تعليقه»: مسألة في البِيَع والكنائس التي يجوز إقرارها على ما هي عليه. إذا انهدم منها شيء أو تشعَّثَ فأرادوا عِمارته فليس لهم ذلك في إحدى الروايات نقلها عبد الله.

قال: ورأيت بخط أبي حفصٍ البَرْمَكي في رسالة أحمد إلى المتوكِّل في هدم البيع ــ روايةِ عبد الله بن أحمد عن أبيه ــ وذكر فيها كلامًا طويلًا إلى أن قال: وما انهدم فلهم أن يبنوها.

قال: وهذا يقتضي اختلاف اللفظ عن عبد الله، ويغلب في ظنِّي أنَّ ما ذكره أبو بكر أضبط ــ يعني: الخلَّال١ ــ فإنَّه قال: أخبرني عبد الله قال: قال أبي: وما انهدم فليس لهم أن يبنوها. ثم ذكر النصوص التي ذكرناها في رواية حنبلٍ وابن مُشَيشٍ واختيارَ٢ الخلال منعَ البناء وجوازَ رمِّ الشعث.

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال أبو سعيد الإصطخري: يمنعون من ذلك. قال: حتى إن انهدم حائط البيعة مُنعوا من إعادته ورده، وإن انثلم منعوا من سَدِّه، وإن أرادوا أن يطيِّنوا وجه الحائط الذي يلينا منعوا منه، وإن طينوا وجه٣ الحائط الذي يلي البيعة كان لهم ذلك، وكذلك إن بنوا

  1. (١) في «الجامع» (٢/ ٤٢٧).
  2. (٢) في الأصل: «واختار»، ولعل المثبت أشبه، وقد سبق كلام الخلال من «جامعه» آنفًا.
  3. (٣) «وجه» ساقط من المطبوع.
318

دون هذا الحائط الذي يلي البيعة حتى تهدَّم ذلك لم يجُزْ، لأنَّهم يُمنَعون من الإحداث وهذه الإعادةُ إحداثٌ.

وأبى ذلك سائر أصحاب الشافعي وقالوا: نحن قد أقررناهم على البيع، فلو منعناهم من رَقْع ما استَرَمَّ منه١ وإعادةِ ما انهدم كان بمنزلة القلع والإزالة، إذ لا فرق بين أن يزيلها وبين أن يُقِرَّها عليهم ثم يمنعهم من عمارتها٢.

واختلفت المالكية على قولين أيضًا، فقال ابن الماجشون: يُمنعون من رمِّ كنائسهم القديمة إذا رثَّت، إلا أن يكون ذلك في شرط عقدهم.

ونقل أبو عمر أنَّهم لا يمنعون من إصلاح ما وهى منها٣.

واحتجَّ القاضي على المنع بحديث رواه عن الخطيب عن ابن رِزقويه، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا محمد بن غالب بن حرب، حدثنا بكر بن محمد القرشي، حدثنا سعيد بن عبد الجبار، عن سعيد بن سِنان، عن أبي٤ الزاهرية، عن كثير بن مُرَّة قال: سمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تُبنى كنيسةٌ في الإسلام، ولا يُجدَّد ما خرب منها»٥.

  1. (١) أي: ما حان له أن يُرَمَّ.
  2. (٢) انظر: «نهاية المطلب» (١٨/ ٥٠)، وسيأتي كلامه.
  3. (٣) سبق توثيق كلام ابن الماجشون وابن عبد البر قريبًا.
  4. (٤) في الأصل: «ابن»، تصحيف.
  5. (٥) أخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة سعيد بن سنان (٥/ ٤٥٢) وابن زَبْر الرَّبعي في «شروط النصارى» (١، ٢) وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٣/ ٣٨) ــ وعنه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ٦) ــ من طرق عن سعيد بن عبد الجبار به. وإسناده واهٍ، سعيد بن سنان متروكٌ منكر الحديث.
    وقد صحَّ الشطر الأول منه موقوفًا على عمر من طريق آخر، وقد سبق (ص ٢٨٨).
319

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي