السابق منهما، فقال بعض الأصحاب: لم يعرض له فيها. وعندي أنَّه لا يُقَرُّ، لأنَّ التعلية مفسدةٌ وقد شككنا في شرط الجواز. وهذا تفريعٌ على ما ذكره الأصحاب من جواز سكنى الدار العالية إذا ملكوها من مسلم، وعلى ما نصرناه فالمنع ظاهرٌ.
وخامسها: لو كان لأهل الذمة جارٌ من ضَعفة المسلمين، دارُه في غاية الانحطاط، فظاهر ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي أنَّهم كلَّهم يُكلَّفون حطَّ بنائهم عن داره أو مساواته. واستشكله الجويني في «النهاية»١ ولا وجه لاستشكاله، والله أعلم.
فصل
في تملُّك الذمي بالإحياء في دار الإسلام
وقد اختلف العلماء في الذمي، هل يملك بالإحياء كما يملك المسلم؟ فنصَّ أحمد في رواية حرب، وابن هانئ، ويعقوب بن بختان، ومحمد بن أبي حرب على أنَّه يملك به كالمسلم.
قال حرب٢: قلت: إنْ أحيا رجلٌ من أهل الذمة مَواتًا ماذا عليه؟ قال: أمَّا أنا فأقول: ليس عليه شيء، وأهل المدينة يقولون فيه قولًا حسنًا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر، وأهل البصرة يقولون قولًا عجيبًا، يقولون: يُضاعَف عليه العشر!
(١) (١٨/ ٥٤).
(٢) كما في «الجامع» (١/ ١٥٢).
قال١: وسألته مرةً أخرى قلت: إنْ أحيا رجلٌ من أهل الذمة مواتًا؟ قال: هو عشر. وقال مرةً: ليس عليه شيء.
وبهذا قالت الحنفية وأكثر المالكية٢. وذهب بعض أصحاب أحمد إلى المنع٣، منهم أبو عبد الله بن حامدٍ أخذًا من امتناع شُفْعَته على المسلم بجامع التمليك لما يخصُّ المسلمين.
وفرَّق الأصحاب بينهما بأنَّ الشفعة تتضمَّن انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، والإحياء لا يُنزَع به أحدٌ٤.
والقول بالمنع مذهب الشافعية وأهل الظاهر وأبي الحسن بن القصَّار من المالكية٥. وهو مذهب عبد الله بن المبارك إلا أن يأذن له الإمام.
واحتجَّ هؤلاء بأمور، منها: قوله ﷺ: «مَوَتانُ الأرضِ لله ولرسوله ثمَّ هي لكم»٦، فأضاف عموم الموات إلى المسلمين، فلم يَبْقَ فيه شيء للكفار.
ومنها: أنَّ ذلك من حقوق الدار، والدار للمسلمين.
(١) ليس في مطبوعة «الجامع». وقد نقله عن حرب أيضًا شيخ الإسلام في «الاقتضاء» (٢/ ٣٥).