قالوا: ولو ثبت هذا اللفظ لم يَمنع تملُّكَ الذمي بالإحياء، كما يتملَّك بالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ما هو للمسلمين، فإنَّ المسلمين إذا ملكوا الأرض ملكوها بما فيها من المعادن والمنافع، ولا يمتنع أن يتملَّك الذمي بعض ذلك. وإقرار الإمام معهم على ذلك جارٍ مَجرى إذنه لهم فيه.
ولأنَّ فيه مصلحةً للمسلمين بعمارة الأرض وتَهْيِئَتها للانتفاع بها وكثرة مُغَلِّها١، ولا نقص على المسلمين في ذلك.
وأمَّا كون المسلم لا يملكها بالإحياء في دار العهد، فهذا فيه وجهان.
وأما كون الحربي والمستأمن لا يملكان بالإحياء فقد قال أبو الخطاب: إنَّهما كالذمي في ذلك. ولو سُلِّم أنَّهما ليسا كالذمي فالفرق بينهما ظاهرٌ، فإنَّا لا نُقِرُّ الحربيَّ المستأمَنَ٢ في دار الإسلام كما نُقِرُّ الذمي.
(١) أي: غلَّتها. ورسمه في الأصل يشبه: «فعلها»، وعليه جاء المطبوع، ولا معنى له.
(٢) كذا هنا صفةً للحربي، وسبق آنفًا معطوفًا عليه.
فصل
قولهم: (ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسِّع أبوابها للمارَّة وابن السبيل).
هذا صريحٌ في أنَّهم لم يملكوا رِقابها كما يملكون دُورهم، إذ لو ملكوا رقابها لم يكن للمسلمين أن ينزلوها إلا برضاهم كدورهم، وإنَّما مُتِّعوها إمتاعًا، وإذا شاء المسلمون نزعوها١ منهم فإنَّها ملك المسلمين، فإنَّ المسلمين لمَّا ملكوا الأرض لم يستبقوا الكنائس والبِيَع على ملك الكفار، بل دخلت في ملكهم كسائر أجزاء الأرض، فإذا نزلها المارَّة بالليل أو النهار فقد نزلوا في نفس ملكهم.
فإن قيل: فما فائدة الشرط إذا كان الأمر كذلك؟
قيل: فائدته أنَّهم لا يتوهَّمون بإقرارهم فيها أنَّها كسائر دُورِهم ومنازلهم التي لا يجوز دخولها إلَّا بإذنهم.
وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّها لو كانت ملكًا لهم لم يجُزْ للمسلمين الصلاة فيها إلا بإذنهم، فإنَّ الصلاة في ملك الغير بغير إذنه ورضاه صلاةٌ في المكان المغصوب وهي حرام، وفي صحَّتها نزاعٌ معروفٌ، وقد صلَّى الصحابة في كنائسهم وبِيَعهم٢.
(١) في الأصل والمطبوع: «نزلوها»، تصحيف.
(٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٤٨٩٦ - ٤٩٠٦) و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).