فيها والمسلم يُوحِّد، فله غُنْمه وعلى المشرك غُرْمه.
ومن فرَّق بين المصوَّرة وغيرها فذلك لأنَّ الصور تقابل المصلِّي وتُواجِهه، وهي كالأصنام إلا أنَّها غير مجسَّدةٍ، فهي شعار الكفر ومأوى الشيطان، وقد كَرِه الفقهاء الصلاة على البسط والحُصُر المصوَّرة كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة وأحمد، وهي تُمتَهَن وتُدَاس بالأرجل، فكيف إذا كانت في الحِيطان والسُّقوف؟!
فصل
قولهم: (ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا).
الجاسوس: عين المشركين وأعداءِ المسلمين. وقد شرط على أهل الذمة أن لا يؤوه في كنائسهم ومنازلهم، فإن فعلوا انتقض عهدهم وحلَّت دماؤهم وأموالهم.
وهل يحتاج ثبوت ذلك إلى اشتراط إمام العصر له على أهل الذمة؟ أو يكفي شرط عمر ﵁؟ على قولين معروفين للفقهاء:
أحدهما: أنَّه لا بد من شرط الإمام له، لأن١ شرط عمر ﵁ كان على أهل الذمة في ذلك الوقت، ولم يكن شرطًا شاملًا للأئمة٢ إلى يوم القيامة.
وكلام الشافعي يدلُّ على هذا، فإنَّه قال في رواية المُزَني والرَّبيع٣:
(١) في الأصل: «ان»، وسيتكرر مثله كثيرًا، وأكتفي بالتنبيه هنا عن إعادته في كل موضع.
(٢) في الأصل: «شرعًا عاملًا للامامة»، ولعل المثبت أشبه.
(٣) «مختصر المزني» (ص ٣٨٥)، و«الأم» (٥/ ٤٧٢).
ويشترط عليهم ــ يعني الإمام ــ أنَّ مَن ذكر كتاب الله أو محمدًا رسولَ الله ﷺ أو دينَ الله بما لا ينبغي، أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها بنكاحٍ، أو فتن١ مسلمًا عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين، أو آوى عينًا لهم= فقد نقض عهدَه وأَحَلَّ دمَه، وبَرِئَت منه ذمَّةُ الله وذمَّةُ رسوله.
والقول الثاني: لا يشترط ذلك، بل يكفي شرط عمر ﵁ وهو مستمِرٌّ عليهم أبدًا قرنًا بعد قرنٍ. وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل من أقوال أئمة الإسلام.
ولو كان تجديد اشتراط الإمام شرطًا في ذلك لما جاز إقرار أهل الذمة اليوم ومناكحتهم، ولا أخذ الجزية منهم. وفي اتفاق الأمة دلالةٌ على ذلك قرنًا بعد قرنٍ وعصرًا بعد عصرٍ اكتفاءً بشرط عمر ﵁.
فصل
قولهم: (ولا نكتم غشًّا للمسلمين).
هذا أعمُّ من إيواء الجاسوس، فمتى علموا أمرًا فيه غشٌّ للإسلام والمسلمين وكتموه انتقض عهدُهم. وبذلك أفتينا وليَ الأمر بانتقاض عهد النصارى لمَّا سَعَوا في إحراق الجامع والمَنَارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم وعَلِم بعضُهم وكَتَم ذلك ولم يُطلِع عليه وليَّ الأمر٢.
(١) في الأصل: «قف»، تصحيف.
(٢) وكان ذلك في سنة ٧٤٠ كما في «البداية والنهاية» (١٨/ ٤١٤). وقد ذكره المؤلف أيضًا في «زاد المعاد» (٣/ ١٦٢).