ويشترط عليهم ــ يعني الإمام ــ أنَّ مَن ذكر كتاب الله أو محمدًا رسولَ الله ﷺ أو دينَ الله بما لا ينبغي، أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها بنكاحٍ، أو فتن١ مسلمًا عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين، أو آوى عينًا لهم= فقد نقض عهدَه وأَحَلَّ دمَه، وبَرِئَت منه ذمَّةُ الله وذمَّةُ رسوله.
والقول الثاني: لا يشترط ذلك، بل يكفي شرط عمر ﵁ وهو مستمِرٌّ عليهم أبدًا قرنًا بعد قرنٍ. وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل من أقوال أئمة الإسلام.
ولو كان تجديد اشتراط الإمام شرطًا في ذلك لما جاز إقرار أهل الذمة اليوم ومناكحتهم، ولا أخذ الجزية منهم. وفي اتفاق الأمة دلالةٌ على ذلك قرنًا بعد قرنٍ وعصرًا بعد عصرٍ اكتفاءً بشرط عمر ﵁.
فصل
قولهم: (ولا نكتم غشًّا للمسلمين).
هذا أعمُّ من إيواء الجاسوس، فمتى علموا أمرًا فيه غشٌّ للإسلام والمسلمين وكتموه انتقض عهدُهم. وبذلك أفتينا وليَ الأمر بانتقاض عهد النصارى لمَّا سَعَوا في إحراق الجامع والمَنَارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم وعَلِم بعضُهم وكَتَم ذلك ولم يُطلِع عليه وليَّ الأمر٢.
(١) في الأصل: «قف»، تصحيف.
(٢) وكان ذلك في سنة ٧٤٠ كما في «البداية والنهاية» (١٨/ ٤١٤). وقد ذكره المؤلف أيضًا في «زاد المعاد» (٣/ ١٦٢).
وبهذا مضَت سُنَّةُ رسول الله ﷺ في ناقضي العهد، فإنَّ بني قَينُقاع وبني النَّضِير وقُرَيظَة لمَّا حاربوه ونقضوا عهده عمَّ الجميعَ بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه من رسول الله ﷺ ولم يُطلِعوه عليه.
وكذلك فعل بأهل مكة: لمَّا نقض بعضهم عهده، وكتم الباقون وسكتوا، ولم يُطلِعوه على ذلك= أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عُقْرِ دارهم.
وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيرُه، وبالله التوفيق.
وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ حكم الرِّدْء والمُباشِر في الجهاد كذا١. وكذلك اتفق الجمهور على أنَّ حكمَهم سواءٌ في قطع الطريق، وإنَّما خالَف فيه الشافعي وحدَه. وكذلك حُكم البُغاة، يستوي٢ رِدؤهم ومُباشِرهم٣. وهذا هو محض الفقه والقياس، فإنَّ المباشِرين إنَّما وصلوا إلى الفعل بقوَّة ردئهم٤، فهم مشتركون في السبب: هذا٥ بالفعل، وهذا بالإعانة، وهذا بالحفظ والحراسة؛ ولا يجب الاتفاق والاشتراك في عين كلِّ سببٍ سببٍ، والله أعلم.
(١) كذا في الأصل، وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «سواء».
(٢) في الأصل: «يستقرر»، غير محرر، وقد أعلم عليه الناسخ بالحمرة، وكتب في الهامش «ظ»، أي: يُنظر أو فيه نظر. ولعل المثبت الصواب.