وبهذا مضَت سُنَّةُ رسول الله ﷺ في ناقضي العهد، فإنَّ بني قَينُقاع وبني النَّضِير وقُرَيظَة لمَّا حاربوه ونقضوا عهده عمَّ الجميعَ بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه من رسول الله ﷺ ولم يُطلِعوه عليه.
وكذلك فعل بأهل مكة: لمَّا نقض بعضهم عهده، وكتم الباقون وسكتوا، ولم يُطلِعوه على ذلك= أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عُقْرِ دارهم.
وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيرُه، وبالله التوفيق.
وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ حكم الرِّدْء والمُباشِر في الجهاد كذا١. وكذلك اتفق الجمهور على أنَّ حكمَهم سواءٌ في قطع الطريق، وإنَّما خالَف فيه الشافعي وحدَه. وكذلك حُكم البُغاة، يستوي٢ رِدؤهم ومُباشِرهم٣. وهذا هو محض الفقه والقياس، فإنَّ المباشِرين إنَّما وصلوا إلى الفعل بقوَّة ردئهم٤، فهم مشتركون في السبب: هذا٥ بالفعل، وهذا بالإعانة، وهذا بالحفظ والحراسة؛ ولا يجب الاتفاق والاشتراك في عين كلِّ سببٍ سببٍ، والله أعلم.
(١) كذا في الأصل، وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «سواء».
(٢) في الأصل: «يستقرر»، غير محرر، وقد أعلم عليه الناسخ بالحمرة، وكتب في الهامش «ظ»، أي: يُنظر أو فيه نظر. ولعل المثبت الصواب.
(٣) في الأصل: «مباشرتهم»، ولعل المثبت أشبه.
(٤) في الأصل: «ردتهم»، خطأ.
(٥) في الأصل: «وهذا»، والظاهر أن الواو مقحمة خطأ.
فصل١
قولهم: (ولا نضرب نواقيسنا إلا ضربًا خفيًّا في جوف كنائسنا).
لمَّا كان الضرب بالناقوس هو شعارَ الكفر وعَلَمَه الظاهر اشتُرِط عليهم تركُه. وقد تقدَّم٢ قول ابن عباس ﵄: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. ذكره أحمد. وتقدَّم٣ نصُّه في رواية ابنه عبد الله: ليس لليهود والنصارى أن يُحدِثوا في مصرٍ مصَّره المسلمون بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيه بناقوسٍ إلا فيما كان لهم صلحًا، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين.
وقال في رواية أبي طالب٤: السواد فتح بالسيف، فلا تكون فيه بيعةٌ، ولا يضرب فيه بناقوسٍ، ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا يشرب فيه الخمر، ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم.
وقال في رواية حنبل٥: وليس لهم أن يحدثوا بيعةً ولا كنيسةً لم تكن، ولا يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا،
(١) هذا الفصل وما بعده من الفصول إلى (ص ٣٦٢) عامَّتها تندرج تحت الفصل الخامس من الفصول التي تدور عليها الشروط العمرية على ما ذكره المؤلف في (ص ٢٧٨)، وهو «فيما يتعلَّق بإظهار المُنكَر من أفعالهم وأقوالهم ممَّا نُهُوا عنه».