قولهم: (ولا نخرج صليبًا ولا كتابًا في أسواق المسلمين).
فيه زيادةٌ على عدم إظهارهم ذلك على كنائسهم وفي صلواتهم، فهم ممنوعون من إظهاره في أسواق المسلمين وإن لم يرفعوا أصواتهم به. ولا يُمنَعون من إخراجه في كنائسهم وفي منازلهم، بل الممنوع منه فيها رفع أصواتهم ووضع الصليب على أبواب الكنائس.
فصل
قولهم: (وأن لا نخرج باعوثًا ولا شعانينًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهر النِّيران معهم في أسواق المسلمين).
فأمَّا الباعوث فقد فسَّره الإمام أحمد في رواية ابنه صالح١ فقال: يخرجون كما نخرج في الفطر والأضحى. ومن هنا قال أحمد في رواية ابن هانئ٢: ولا يتركوا أن يجتمعوا في كلِّ أَحَدٍ، ولا يظهروا لهم خمرًا، ولا ناقوسًا.
فإنَّ اجتماعهم المذكور هو غاية الباعوث ونهايته، فإنَّهم ينبعثون إليه من كلِّ ناحية.
وليس مراد أبي عبد الله منعَ اجتماعهم في الكنيسة إذا تسلَّلوا إليها لِوَاذًا،
(١) كذا، وهو وهم، فإن الرواية في «الجامع» (٢/ ٤٢٤) هي عن «عمر بن صالح»، له ترجمة في «طبقات الحنابلة» (٢/ ١٠٧).
(٢) «الجامع» (٢/ ٤٢٥).
وإنَّما مراده إظهار اجتماعهم كما يُظهِر المسلمون ذلك يومَ عيدهم. ولهذا قال في رواية يعقوب بن بختان١ وقد سُئِل: هل يضربون الخيام في الطريق يوم الأحد؟ قال: «لا، إلا أن تكون مدينة صولحوا عليها فلهم ما صولحوا عليه». فإنَّ ضرب الخيام على الطريق يوم عيدهم هو من إخراج الباعوث وإظهار شعائر الكفر، فإذا اختفَوا في كنائسهم باجتماعهم لم يُعرَض لهم فيها ما لم يرفعوا أصواتهم بقراءتهم وصلواتهم.
وأمَّا الشعانين فهي أعيادٌ لهم أيضًا، والفرق بينها وبين الباعوث أنَّه اليوم والوقت الذي ينبعثون فيه على الاجتماع والاحتشاد٢.
وقولهم: (ولا نرفع أصواتنا مع موتانا) لما فيه من إظهار شعار الكفر، فهذا يعُمُّ رفعَ أصواتهم بقراءتهم وبالنوح وغيره.
وكذلك (إظهار النيران معهم) إمَّا بالشَّمع أو السُّرُج أو المشاعل ونحوها. فأمَّا إذا أوقدوا النار في منازلهم وكنائسهم ولم يُظهروها لم يُتعرَّض لهم فيها.
وقد سمَّى الله سبحانه أعيادهم زُورًا، والزور لا يجوز إظهاره، فقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ﴾[الفرقان: ٧٢].
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في «تفسيره»٣: حدثنا أبو سعيد الأشج،
(١) «الجامع» (٢/ ٤٢٥)، وقد سبق قريبًا.
(٢) انظر ما سبق من التعليق (ص ٢٧٣).
(٣) (٨/ ٢٧٣٧)، وعزاه في «الدر المنثور» (١١/ ٢٢٥) إلى عبد بن حميد وابن المنذر أيضًا.