وقال عبد الملك بن حبيب: سُئِل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكَرِه ذلك مَخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه.
قال: وكَرِه ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأةً له، ورآه من تعظيم عيده وعونًا له على كفره، ألا ترى أنَّه لا يَحِلُّ للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم، لا لحمًا ولا أدمًا ولا ثوبًا، ولا يعارون دابَّةً، ولا يُعانون على شيء من عيدهم، لأنَّ ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه. هذا لفظه في «الواضحة»١.
وفي كتب أصحاب أبي حنيفة: مَن أهدى لهم يوم عيدهم بطيخةً بقصد تعظيم العيد فقد كفر٢.
فصل
قولهم: (ولا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور).
يجوز أن يكون بالراء المهملة من المجاورة، أي: بيع الخمور
(١) ونقله ابن أبي زيد في «النوادر والزيادات» (٤/ ٣٦٨) مختصرًا.
(٢) قال أبو حفص الكبير، شيخ الحنفية بما وراء النهر (ت ٢١٧): لو أن رجلًا عبدَ الله خمسين سنة، ثم أهدى لمشرك يوم النيروز بيضةً يريد تعظيم اليوم فقد كفر وحبط عمله. «تبيين الحقائق» (٦/ ٢٢٨)
بحضرتهم، ولا تكون الخنازير مجاورةً لهم. ويجوز أن يكون بالزاي المعجمة، أي: لا نتعدَّى بها عليهم جهرةً، بل إذا أتينا بها إلى بيوتنا أتينا بها خفيةً بحيث لا يَطَّلعون على ذلك. والمعنيان صحيحان، وذلك يتضمَّن إخفاء الخمر والخنزير فيما بينهم، وأن لا يُظهروا بهما بين المسلمين كما لا يظهرون بسائر المنكرات.
فصل
وكذلك قولهم: (ولا نجاوز المسلمين بموتانا).
يجوز أن يكون بالزاي والراء، من المجاوزة والمجاورة، فإن كان بالمهملة فالمعنى اشتراط دفنهم في ناحية من الأرض، لا تجاور قبورُهم بيوتَ المسلمين ولا قبورَهم، بل تنفرد عنهم، لأنَّها محل العذاب والغضب، فلا تكون هي ومحل الرحمة في موضع واحد لِما يلحق المسلمين بذلك من الضرر.
وإن كان بالمعجمة من المجاوزة، فعادة١ النصارى في أمواتهم يُوقِدون الشموع ويَزُفُّون بها الميت، ويرفعون أصواتهم بقراءة كتبهم، وقد منع جماعةٌ من الصحابة أن تتبع جنائزهم بنارٍ خوفًا من التشبُّه بهم. وعلى رواية الزاي المعجمة فليس لهم أن يحملوا أمواتهم في أسواق المسلمين ولا في الطرق الواسعة التي يمُرُّ بها المسلمون. وإنَّما يقصدون المواضع الخالية التي لا يراهم فيها أحدٌ من المسلمين.