المُكَتِّب، حدثنا حَذْلَمٌ، عن ربيعة بن زكَّارٍ١ قال: نظر عليٌّ إلى زرارة فقال: ما هذه القرية؟ قالوا: قريةٌ تدعى زرارة، يُلْحَم٢ فيها ويباع الخمر. فقال: أين الطريق إليها؟ قالوا: باب٣ الجسر. قال قائل: يا أمير المؤمنين، خُذْ لك سفينةً تجوز فيها. قال: تلك سخرةٌ ولا حاجة لنا في السخرة، وانطلقوا بنا إلى باب الجسر. فقام يمشي حتى أتاها، فقال: عليَّ بالنِّيران، أَضرِموا فيها، فإنَّ الخبيث يأكل بعضُه بعضًا. فأُضرِمَت في عرشها.
قال: وقد قضى ابن عباس: أيما مصرٍ مصَّره المسلمون فلا يباع فيه خمرٌ٤.
قال أبو عبيد٥: معنى هذه الأحاديث في أهل الذمة، لأنَّهم كانوا أهل السَّواد حينئذ.
(١) في الأصل: «بكَّار»، تصحيف.
(٢) في الأصل: «يلجم» بالجيم، ولا معنى له هنا. واستظهر صبحي الصالح أن صوابه: «يُلحَّم»، وليس بشيء، وقد نصَّ أبو عبيد عقبه على أن «يلحم» مخففة، وذكر أن تقديره: «يلحم مَن فيها». وضبطه مصطفى السقا في تحقيقه لـ «معجم ما استَعجم» (١/ ٦٩٦) كالمثبت وعلَّق عليه: «لعله بمعنى: يتجمع فيها أهل الغي والفساد». قلتُ: ولعل المعنى: يُؤكَل أو يُطعَم فيها اللحم، ولا يخفى ما بين «الأحمرين» من المناسبة، كما في بعض الآثار: «لا يقطع هذا اللحم في بطوننا إلا النبيذ الشديد».
(٣) في الأصل: «فات»، تصحيف.
(٤) جزء من أثر سبق تخريجه.
(٥) «الأموال» (١/ ١٨٤).
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا يحمل الخمر من رُسْتاقٍ إلى رُسْتاق١.
فصل
قولهم: (ولا نُرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدًا).
هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به، فإنَّه حِراب الله ورسوله باللسان، وقد يكون أعظم من الحراب باليد، كما أنَّ الدعوة إلى الله ورسوله جهادٌ بالقلب وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد٢.
ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمةً ــ ولا بد ــ للطعن في الحق، كان دعاؤهم إلى دينهم وترغيبُهم فيه طعنًا في دين الإسلام، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئمَّةَ اَلْكُفْرِ﴾[التوبة: ١٢]. ولا ريبَ أنَّ الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف، فأولى ما انتقض به العهدُ: الطعنُ في الدِّين ولو لم يكن مشروطًا عليهم، فالشرط ما زاده إلا تأكيدًا وقوةً.
(١) أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (٣٠٣) ــ وعنه ابن زنجويه (٤٢٦) ــ والخلال في «الجامع» (٢/ ٤٢٧). قوله: «من رستاق إلى رستاق» أي: من إقليم إلى إقليم، وفي رواية الخلال: «من قرية إلى قرية».
(٢) وفي هذا المعنى يقول المؤلف في «جلاء الأفهام» (ص ٤٩٢): «وتبليغ سنَّته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، أما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء».