الداء والدواء

وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرًا أو محذوفًا١، كقوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ١٧٢﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] أي كراهة أن تقولوا.

وتارة يأتي بفاء السببية، كقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤﴾ [الشمس: ١٤] وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ١٠﴾ [الحاقة: ١٠] وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ٤٨﴾ [المؤمنون: ٤٨]، ونظائره.

وتارة يأتي بأداة (لمّا) الدالة على الجزاء، كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ونظائره.

وتارة يأتي بإنّ وما عملت فيه، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله في ضد هؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ٧٧﴾ [الأنبياء: ٧٧].

وتارة يأتي بأداة (لولا) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤٤﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].

وتارة يأتي بـ (لو) الدالة على الشرط، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]

  1. (١) ف، س: "ومحذوفًا".
33

وبالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتُّب١ الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بَل ترتُّب٢ أحكام الدنيا٣ والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمالَ.

ومن فقه٤ هذه المسألةَ، وتأملها حقّ التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل٥ على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً، فيكون توكلُه عجزًا، وعجزه توكلًا.

بل الفقيهُ كلُّ الفقيه الذي يردّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسانَ يعيشُ٦ إلا بذلك، فإنّ الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلقُ كلّهم ساعون٧ في دفع هذا القدر بالقدر٨.

وهكذا٩، من وفّقه الله، وألهمه رُشدَه، يدفع قدَر العقوبة١٠

  1. (١) س: "ترتيب".
  2. (٢) ز: "يرتب".
  3. (٣) السياق في ف: "صريح في ترتب الجزاء بالخير والشرّ في الدنيا … ".
  4. (٤) ما عدا س، خب: "فقه في" وضبطت في ز، ل بضم القاف. وفي ط: "تفقه في".
  5. (٥) ز: "ومن يتكل".
  6. (٦) كذا في النسخ كلها ما عدا ز التي فيها: "العيش". وفي ط: "أن يعيش". وما ورد في النسخ جائز مقبول.
  7. (٧) س: "سارعون".
  8. (٨) وانظر مدارج السالكين (١/ ١٩٩)، وطريق الهجرتين (٦٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٦، ٥٤٧).
  9. (٩) س: "هذا"، تحريف.
  10. (١٠) زاد بعضهم في ز فوق السطر: "الدنيوية و"، مع علامة صح، وهو خطأ. وفي س: "قدره"، وهو أيضًا خطأ، وقد تحرّفت فيها كلمة "الأخروية" أيضًا.
34

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي