الداء والدواء

وبالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتُّب١ الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بَل ترتُّب٢ أحكام الدنيا٣ والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمالَ.

ومن فقه٤ هذه المسألةَ، وتأملها حقّ التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل٥ على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً، فيكون توكلُه عجزًا، وعجزه توكلًا.

بل الفقيهُ كلُّ الفقيه الذي يردّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسانَ يعيشُ٦ إلا بذلك، فإنّ الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلقُ كلّهم ساعون٧ في دفع هذا القدر بالقدر٨.

وهكذا٩، من وفّقه الله، وألهمه رُشدَه، يدفع قدَر العقوبة١٠

  1. (١) س: "ترتيب".
  2. (٢) ز: "يرتب".
  3. (٣) السياق في ف: "صريح في ترتب الجزاء بالخير والشرّ في الدنيا … ".
  4. (٤) ما عدا س، خب: "فقه في" وضبطت في ز، ل بضم القاف. وفي ط: "تفقه في".
  5. (٥) ز: "ومن يتكل".
  6. (٦) كذا في النسخ كلها ما عدا ز التي فيها: "العيش". وفي ط: "أن يعيش". وما ورد في النسخ جائز مقبول.
  7. (٧) س: "سارعون".
  8. (٨) وانظر مدارج السالكين (١/ ١٩٩)، وطريق الهجرتين (٦٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٦، ٥٤٧).
  9. (٩) س: "هذا"، تحريف.
  10. (١٠) زاد بعضهم في ز فوق السطر: "الدنيوية و"، مع علامة صح، وهو خطأ. وفي س: "قدره"، وهو أيضًا خطأ، وقد تحرّفت فيها كلمة "الأخروية" أيضًا.
34

الأخروية بقدَر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا وِزان القدر المخوف في الدنيا وما يضادّه سواء١. فربُّ الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا يناقض بعضها بعضًا، ولا يبطل بعضها بعضًا.

فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قَدْرها، ورعاها حقّ رعايتها، والله المستعان.

لكن يبقى عليه أمران، بهما تتم سعادته وفلاحه:

أحدهما؛ أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده٢ في العالم، وما جرّبه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديمًا وحديثًا.

ومن أنفع ما في ذلك تدبُّر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الشرّ والخير٣ جميعًا مفصّلةً مبيّنةً. ثم السنّة، فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يُرِيانِك الخير والشرّ وأسبابهما، حتّى كأنّك تعاين ذلك عيانًا.

وبعد ذلك إذا تأملتَ أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمتَه من القرآن والسنة، ورأيت تفاصيل٤ ما أخبر الله به ووعد به٥، وعلمتَ من آياته في الآفاق ما يدلّك على أن

  1. (١) "سواء" ساقط من ف.
  2. (٢) ز: "شاهده".
  3. (٣) خب: "الخير والشرّ".
  4. (٤) ف، خب: "ورأيته بتفاصيل". وفي ز: "بفاضل".
  5. (٥) "ووعد به" ساقط من س.
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي