الداء والدواء

الأخروية بقدَر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا وِزان القدر المخوف في الدنيا وما يضادّه سواء١. فربُّ الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا يناقض بعضها بعضًا، ولا يبطل بعضها بعضًا.

فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قَدْرها، ورعاها حقّ رعايتها، والله المستعان.

لكن يبقى عليه أمران، بهما تتم سعادته وفلاحه:

أحدهما؛ أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده٢ في العالم، وما جرّبه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديمًا وحديثًا.

ومن أنفع ما في ذلك تدبُّر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الشرّ والخير٣ جميعًا مفصّلةً مبيّنةً. ثم السنّة، فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يُرِيانِك الخير والشرّ وأسبابهما، حتّى كأنّك تعاين ذلك عيانًا.

وبعد ذلك إذا تأملتَ أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمتَه من القرآن والسنة، ورأيت تفاصيل٤ ما أخبر الله به ووعد به٥، وعلمتَ من آياته في الآفاق ما يدلّك على أن

  1. (١) "سواء" ساقط من ف.
  2. (٢) ز: "شاهده".
  3. (٣) خب: "الخير والشرّ".
  4. (٤) ف، خب: "ورأيته بتفاصيل". وفي ز: "بفاضل".
  5. (٥) "ووعد به" ساقط من س.
35

القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة. فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرّفنا الله ورسوله به١ من الأسباب الكلية للخير والشر.

فصل

والأمر الثاني٢: أن يحذر مغالطةَ نفسِه له٣ على هذه الأسباب. وهذا من أهم الأمور، فإنّ العبد يعرف أنّ المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه٤ وآخرته، ولا بدَّ، ولكن تغالطه نفسه٥ بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاستغفار باللسان تارة، وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج بالأشباه والنظراء والاقتداء٦ بالأكابر تارة.

وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: "أستغفر الله" زال أثر الذنب، وراح هذا بهذا!

وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل، ثم أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صحّ عن النبي

  1. (١) "به" من ف، ز.
  2. (٢) ما عدا س، ل: "الأمر الثاني" دون الواو.
  3. (٣) ز: "به".
  4. (٤) زاد في س قبل "دنياه": "دينه و".
  5. (٥) ل: "يغالطه بنفسه".
  6. (٦) ز: "والنظر". س: "والنظر بالاقتداء". خا: "بالأشباه تارة والنظر أو الاقتداء".
    وكذا كان في خب، فأصلحه بعضهم: "بالأشباه والنظراء تارة والاقتداء". وكذا في ط. والمثبت من ف، ل.
36

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي