الداء والدواء

قال: وأنا لا أشكّ أنّ لي ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به.

وهذا الضرب من الناس قد تعلّق بنصوص الرَّجاء، واتّكل عليها، وتعلق بها١ بكلتا يديه. وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء.

وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب، كقول بعضهم:

وكَثِّرْ ما استطعتَ من الخطاياإذا كان القدومُ على كريمِ٢

وقول الآخر: التنزّه من الذنوب جهل بسعة عفو الله!

وقول الآخر٣: تركُ الذنوب جراءةٌ على مغفرة الله، واستصغارٌ لها!

وقال أبو محمَّد بن حزم: رأيت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إنّي أعوذ بك من العصمة!

ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له البتة ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي.

  1. (١) ز: "به".
  2. (٢) س، ل: "وأكثر". وقد أنشده المؤلف في عدة الصابرين (٥٠) أيضًا. والبيت لأبي نواس في وفيات الأعيان (٢/ ٩٧) وفيه: "تكثَّر". وفي ديوانه (٧٣٠) مع عجز آخر.
    تكثّرْ ما استطعتَ من الخطايا … فإنك قاصدٌ ربًّا غفورا
  3. (٣) ل، خا: "وقال الآخر".
38

ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأنّ الإيمان هو مجرد التصديق، والأعمال ليست من الإيمان، وإيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل.

ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم، والتضرّع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله بحقّهم عليه وحرمتهم عنده.

ومنهم من يغترّ بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحًا؛ فلا يدَعون١ أن يخلّصوه، كما يشاهد في حضرة الملوك، فإنّ الملوك تهَبُ لخواصّهم ذنوبَ أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلّصه أبوه وجدّه بجاهه ومنزلته.

ومنهم من يغتر بأن الله ﷿ غنى عن عذابه، وأنّ عذابه٢ لا يزيد في ملكه شيئًا، ورحمته له لا ينقص من ملكه شيئًا، فيقول: أنا مضطرّ إلى رحمته، وهو أغنى الأغنياء٣. ولو أن فقيرًا مسكينًا، مضطرًّا٤ إلى شربة ماء، عند مَن في داره شط يجري، لَما منعه منها؛ فالله أكرم وأوسع، فالمغفرة لا تنقصه شيئًا، والعقوبة لا تزيد٥ في ملكه شيئًا.

  1. (١) س: "فلا يدعوه".
  2. (٢) "أن" من س.
  3. (٣) ز: "وهو غني عن عذابه"، ولعلها تكررت خطأ مكان "وهو أغنى الأغنياء".
  4. (٤) ف: "مضطر".
  5. (٥) ز: "لا تزيده".
39

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي