الداء والدواء

قوم من الموحدين١ من النار بالشفاعة.

وهذا إنما أُتِيَ صاحبُه من قلّة علمه وفهمه، فإنه سبحانه ههنا عمّم وأطلق فعُلِمَ أنه أراد التائبين. وفي سورة النساء خصّص وقيّد، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فأخبر سبحانه أنه لا يغفر٢ الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه. ولو كان هذا في

حقّ التائب لم يفرّق بين الشرك وغيره٣.

وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦﴾٤ [الانفطار: ٦] فيقول: كَرَمُه! وقد يقول بعضهم: إنّه لقّن المغترَّ حجتَه، وهذا جهل قبيح. وإنما غرّه بربّه الغرورُ -وهو الشيطان- ونفسُه الأمّارة بالسوء، وجهلُه، وهواه.

وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيّد العظيم المطاع٥ الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقّه، فوضع هذا المغترُّ الغرورَ في غير موضعه، واغترّ بمن لا ينبغي الاغترار به.

وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. ولم يدر هذا المغتر أنّ قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤﴾ [الليل: ١٤] هو لِنارِ

  1. (١) ز: "قوم موحدين".
  2. (٢) العبارة بعد "لا يغفر" في الآية إلى هنا ساقطة من س.
  3. (٣) "وأخبر … وغيره" سقطت من ف، فاستدرك بعضهم في الحاشية: "وأخبر أنه يغفر ما دونه" فقط.
  4. (٤) الآية الكريمة في ف إلى قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ وفي س اكتفى بـ "الذي"!
  5. (٥) س: "والمطاع".
41

مخصوصةٌ من جملة دركات جهنم. ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: "لا يدخلها"، بل قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ولا يلزم١ من عدم صِلِيِّها عدمُ دخولها، فإن الصِّلِيَّ أخصُّ من الدخول، ونفيُ الأخصّ لا يستلزم نفي الأعم.

ثم إنّ هذا المغترّ لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونًا له أن يُجَنَّبَها.

وأما قوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فقد قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٣﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن تدخلها الفسّاق والظلَمة، ولا ينافي إعدادَ الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ولم يعمل خيرًا قط.

وكاتّكال٢ بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة٣، حتّى يقول بعضهم: يوم عاشوراء٤ يكفّر ذنوب العام٥ كلّها، ويبقى صوم يوم عرفة٦ زيادة في الأجر٧. ولم يدر هذا المغتر أنّ صوم رمضان

  1. (١) ف: "فلا يلزم".
  2. (٢) ز: "وكاغترار"، ولعله سهو.
  3. (٣) ف، س: "ويوم عرفة".
  4. (٤) يعني: صومه. وقد زاد بعضهم كلمة "الصوم" فوق السطر في ز، كما كتب في حاشية س: "ظ صوم".
  5. (٥) ف: "الذنوب للعام". س: "الذنوب العام".
  6. (٦) ل: "صيام يوم عرفة". ز: "ويبقى يوم عرفة".
  7. (٧) يشير إلى حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁، قال: سئل- ﷺ عن =
42

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي