والصلوات الخمس أعظم وأجلّ من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينها١ إذا اجتُنِبَتْ الكبائر٢.
فرمضان [إلى رمضان]٣ والجمعة إلى الجمعة لا يقوى على تكفير الصغائر الله مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين٤ على تكفير الصغائر. فكيف يكفِّر صومُ يوم تطوّع كلَّ كبيرة عملها العبد، وهو مصرّ عليها، غير تائب منها؛ هذا محال، على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة٥ ويوم عاشوراء مكفرًا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد٦ التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعًا من التكفير. فإذا لم يصرّ على الكبائر تساعدَ الصومُ وعدمُ الإصرار وتعاونا على عموم التكفير، كما كان رمضان والصلوات
= صوم يوم عرفة، فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية". قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية" الحديث، أخرجه مسلم في الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء … (١١٦٢).
(١) كذا في س، خا. وفي غيرهما: "ما بينهما". ووقع في ز: "ما يكفر"، فزاد بعضهم فوق السطر: "إلا" ليستقيم المعنى.
(٢) كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة … (٢٣٣).
(٣) ما بين الحاصرتين من خب.
(٤) ز: "مجموع الأمر".
(٥) س: "صوم عرفة".
(٦) ز، خا: "الوعيد"، خطأ.
الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدَين متعاونَين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه قد قال١: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾[النساء: ٣١].
فعلم أنّ جعل الشيء سببًا للتكفير لا يمنع٢ أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، وكلّما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل٣.
وكاتّكال بعضهم على قوله ﷺ حاكيًا عن ربه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظنّ بي ما شاء"٤ يعني: ما كان في ظنه، فإنّي فاعله به٥.
ولا ريب أنّ حسن الظن إنّما يكون مع "الإحسان" فإنّ المحسن حسن الظن بربه أنّه يجازيه٦ على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات، فإنّ وحشة
(١) ف: "سبحانه قال".
(٢) ف: "لا يمتنع". وفي ز: "ولا يمنع" وكلاهما خطأ.
(٣) "منه مع انفراد … أتم" سقط من ل لانتقال النظر، كما تحرف "أشمل" فيها إلى "أسهل".
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩١ (١٦٠١٦) وابن المبارك في "الزهد" (٩٠٩) وابن حبان (٦٣٣، ٦٤١) والحاكم ٤/ ٢٦٨ (٧٦٠٣) وغيرهم، من طريق حبان أبي النضر الشامي عن واثلة، فذكره، وفيه قصة. والحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "صحيح على شرط مسلم".