الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدَين متعاونَين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه قد قال١: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾[النساء: ٣١].
فعلم أنّ جعل الشيء سببًا للتكفير لا يمنع٢ أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، وكلّما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل٣.
وكاتّكال بعضهم على قوله ﷺ حاكيًا عن ربه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظنّ بي ما شاء"٤ يعني: ما كان في ظنه، فإنّي فاعله به٥.
ولا ريب أنّ حسن الظن إنّما يكون مع "الإحسان" فإنّ المحسن حسن الظن بربه أنّه يجازيه٦ على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات، فإنّ وحشة
(١) ف: "سبحانه قال".
(٢) ف: "لا يمتنع". وفي ز: "ولا يمنع" وكلاهما خطأ.
(٣) "منه مع انفراد … أتم" سقط من ل لانتقال النظر، كما تحرف "أشمل" فيها إلى "أسهل".
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩١ (١٦٠١٦) وابن المبارك في "الزهد" (٩٠٩) وابن حبان (٦٣٣، ٦٤١) والحاكم ٤/ ٢٦٨ (٧٦٠٣) وغيرهم، من طريق حبان أبي النضر الشامي عن واثلة، فذكره، وفيه قصة. والحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "صحيح على شرط مسلم".
(٥) ف: "فأنا فاعله به"، وسقط "به" من س.
(٦) ف: "أن يجازيه".
المعاصي والظلم والإجرام تمنعه١ من حسن الظن بربه. وهذا موجود في الشاهد، فإنّ العبد الآبق المسيء٢ الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به٣.
ولا يجامع وحشةَ الإساءة إحسانُ الظنّ٤ أبدًا، فإنّ المسيء مستوحش بقدر إساءته. وأحسنُ الناس ظنًّا بربّه أطوعُهم له، كما قال الحسن البصري: إنّ المؤمن أحسن الظنَّ بربّه، فأحسن العمل. وإنّ الفاجر أساء الظنَّ بربّه، فأساء العمل٥.
وكيف يكون محسنَ الظن٦ بربه من هو شارد عنه، حالّ مرتحل في مساخطه وما يغضبه٧، متعرض٨ للعنته، قد هان حقّه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه، وأصرَّ عليه!
وكيف يحسن الظن به٩ من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه
(١) ل، ز، خا: "يمنعه".
(٢) ف: "المسيء الآبق".
(٣) "به" ساقط من س.
(٤) "الظنّ" ساقط من س، وفيها: "تجامع".
(٥) أخرجه أحمد في الزهد (١٦٥٢) من طريق سفيان عن رجل عن الحسن، فذكره. ورواه مخلد بن الحسين عن هشام عن الحسن، فذكره. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٤) وعليه فالأثر لا بأس به.