الداء والدواء

به؟ وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني؟

وقد قال أبو أمامة بن سهل١ بن حُنَيف: دخلتُ أنا وعروة بن الزبير على عائشة ﵂ فقالت: لو٢ رأيتما رسول الله ﷺ في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير- أو سبعة- فأمرني رسول الله ﷺ أن أفرّقها. قالت: فشغلني وجع النبي ﷺ، حتى عافاه الله. ثم سألني عنها فقال: "ما فعلتِ؟ أكنتِ فرّقتِ الستّةَ الدنانير٣؟ " فقلت: لا، والله لقد كان شغلني٤ وجعُك. قالت: فدعا بها، فوضعها في كفه، فقال: "ما ظنُّ نبيِّ اللهِ لو لقي الله، وهذه عنده؟ "٥ وفي لفظ: "ما ظنُّ محمَّد بربّه لو لقي الله، وهذه عنده؟ ".

فيالله! ما ظنُّ أصحابِ الكبائر والظَّلَمةِ بالله إذا لقُوه، ومظالم العباد

  1. (١) وقع في س: "أبو أمامة سهل"، فأسقط كلمة الابن قبل "سهل". وكذا في ط. وهو غلط، فإن أبا أمامة كنية اشتهر بها أسعد بن سهل بن حنيف. وقد ولد قبل وفاة النبي ﷺ بعامين، وحنّكه النبي ﷺ وسمّاه باسم جده لأمه: أبي أمامة أسعد بن زرارة. انظر الإصابة (١/ ١٨١).
  2. (٢) س: "أو".
  3. (٣) ف. ز: "الستة دنانير".
  4. (٤) ف: "قد شغلني". ز: "لقد شغلني".
  5. (٥) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٤ (٢٤٧٣٣) وابن حبان (٣٢١٣) من طريق موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل. فذكره. قلت: هذا سند ضعيف، فيه موسى بن جبير قال ابن حبان في الثقات: "كان يخطئ ويخالف". وقال ابن القطان: "لا يعرف حاله".
    ورواه محمَّد بن عمرو وأبو حازم عن أبي سلمة عن عائشة فذكرته باللفظ الآخر الذي ذكره المؤلف. أخرجه أحمد (٢٤٢٢٢، ٢٤٥٦٠) وابن حبان (٧١٥، ٣٢١٢) وغيرهما. والحديث سنده صحيح، وقد صححه ابن حبان.
47

عندهم؟ فإن كان ينفعهم قولُهم: "حَسَّنَّا ظنونَنا بك١ "، لم يعذَّبْ ظالم ولا فاسق٢. فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كلّ ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنّه بالله، فإنّ النار لا تمسّه! فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد!.

وقد قال إبراهيم لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٨٧﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧] أي: فما٣ ظنّكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيرَه؟

ومن تأمل هذا الموضع٤ حقّ التأمل علِمَ أنّ حسنَ الظن بالله هو حسنُ العمل نفسه. فإنّ العبد إنما يحمله على حسن العمل حسنُ ظنّه بربه أن يجازيه على أعماله، ويثيبه عليها، ويتقبّلها منه. فالذي٥ حمله على العمل حسنُ الظن، وكلّما٦ حسُن ظنُّه حسُن عملُه، وإلا فحسنُ الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي والمسند من حديث شدّاد بن أوس عن النبي ﷺ أنّه قال٧: "الكيّس من دان نفسَه، وعمِل لما بعد الموت. والعاجز من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنّى على

  1. (١) خا: "بالله". ز: "حسن … ".
  2. (٢) وقع في ف: "أنك لم تعذب ظالمًا ولا فاسقًا". وهذا مفسد للسياق. وفي ل: "ظنو بانك" وهو تحريف "ظنوننا بك".
  3. (٣) ل، ز: "وما".
  4. (٤) ل: "هذه المواضع".
  5. (٥) ف: "فإن الذي".
  6. (٦) ف، ل: "فلما". خب: "فكلما".
  7. (٧) "أنه قال" انفردت بها ز.
48

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي