الداء والدواء

وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمَه عليك١، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج٢ يستدرجك به٣.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ٣٣ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ٣٤ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ٣٥﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].

وقد ردّ سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كلُّ من نعّمتُه ووسّعتُ عليه رزقَه أكون قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ابتليتُه وضيّقت عليه رزقه أكون قد أهنتُه. بل أبتلي هذا بالنعمة، وأكرم هذا بالابتلاء.

وفي جامع الترمذي٤ عنه ﷺ: "إنّ الله يعطي الدنيا مَن يُحِبّ ومن

  1. (١) ز: "تتابع عليك نعمه".
  2. (٢) زاد في ل: "منه". وكذا في خا.
  3. (٣) من قول أبي حازم الأعرج. أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٣١) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٤٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٦٤) وغيرهم (ز). وقد ذكره المؤلف في كتاب الروح (٥٤٥) أيضًا (ص).
  4. (٤) لم أقف عليه في المطبوع. والحديث أخرجه أحمد ١/ ٣٨٧ (٣٦٧٢) والبخاري في تاريخه (٤/ ٣١٣) والشاشي في مسنده (٨٧٧) مختصرًا، والحاكم ٢/ ٤٨٥ (٣٦٧١) والبزار في مسنده (٢٠٢٦) وغيرهم، من طريق أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمَّد عن مرة الهمداني عن ابن مسعود، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي. وقال البزار: " … والصباح بن محمَّد فليس بمشهور، وإنما ذكرناه على ما فيه من العلة لأنا لم =
78

لا يُحِبّ، ولا يعطي الإيمان إلا من يُحِب".

وقال بعض السلف: رُبَّ مستدرج بنعم الله١ عليه، وهو لا يعلم ورُبَّ مغرور بسَتْر الله عليه، وهو لا يعلم٢. ورُبَّ مفتون بثناء الناس عليه٣، وهو لا يعلم.

فصل

وأعظم الخلق غرورًا من اغترّ بالدنيا وعاجلها، فآثرها٤ على الآخرة، ورضي بها من الآخرة٥، حتّى يقولُ بعض هؤلاء: الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد أنفع من النسيئة! ويقول بعضهم: ذَرّة منقودة، ولا دُرّة موعودة! ويقول آخر منهم: لذاتُ الدنيا متيقَّنة، ولذات الآخرة مشكوك

  1. = نحفظ كلامه عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد … ".
    قلت: الصباح بن محمَّد ضعيف الحديث.
    ورواه الثوري ومحمد بن طلبة عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود، فذكره موقوفًا. أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٣٤) والطبراني في الكبير (٨٩٩٠) وغيرهما. ورجح الموقوفَ العقيليُّ والدارقطني والذهبي. انظر: الضعفاء (٢/ ٢١٣) وعلل الدارقطني (٥/ ٢٦٩ - ٢٧١) والميزان (٣/ ٤٢٠).
  2. (١) ف: "بنعمة الله".
  3. (٢) "ورب مغرور … " إلى هنا ساقط من ل.
  4. (٣) "عليه" ساقط من ف. وقد ضمّن المؤلف هذا الأثر كلامًا له في مدارج السالكين (١/ ١٧٢). (ص). أخرجه أحمد في الزهد (١٦٠٦) عن الحسن البصري بمعناه.
    وسنده صحيح (ز).
  5. (٤) ف: "وآثرها".
  6. (٥) "ورضي بها من الآخرة" ساقط من س، كما سقط "من الآخرة" من ل.
79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي