وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله. والبهائم العُجْم أعقل من هؤلاء، فإنّ البهيمة إذا خافت مضرةَ شيء لم تُقْدِم عليه، ولو ضُرِبَتْ، وهؤلاء يُقدِم أحدُهم على عطَبه، وهو بين مصدّق ومكذّب. فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله٢ ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس٣ حسرةً؛ لأنه أقدم على علم. وإن لم يؤمن بالله ورسوله٤، فأبْعِدْ له!
وقول هذا القائل: "النقد خير من النسيئة"، فجوابه٥ أنّه إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير. وإن تفاوتا وكانت النسيئة أكثر٦ وأفضل، فهي خير. فكيف والدنيا كلّها٧ من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة! كما في مسند الإِمام أحمد والترمذي٨ من حديث المستورِد بن شدّاد قال: قال رسول الله ﷺ: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخِلُ أحدُكم إصبَعَه في اليمّ، فلينظُرْ بم ترجع"٩؟.
(١) ف: "بالشك".
(٢) س: "رسله".
(٣) ز: "فهو أعظم الناس".
(٤) س: "رسله".
(٥) ف: "جوابه".
(٦) ف: "أكبر".
(٧) "كلها" ساقط من ل.
(٨) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٥٨) وأحمد ٤/ ٢٢٩ (١٨٠٠٨). والترمذي (٢٣٢٢) ولفظ مسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم".
(٩) ف، ز: "يرجع".
فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل. وإذا١ كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيُّما أولى بالعاقل: إيثارُ العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمانُ الخير الدائم في الآخرة، أم تركُ شيء حقير صغير٢ منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له٣، ولا خطرَ له٤، ولا نهاية لعدده، ولا غاية لأمده.
وأما قول الآخر: "لا أترك متيقنًا لمشكوك٥ فيه"، فيقال له: إما أن تكون على شكّ من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك. فإن كنت على يقين، فما تركتَ إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب، لأمر متيقَّن لا شك فيه ولا انقطاع له.
وإن كنتَ على شك، فراجعْ آيات الربّ تعالى الدالّة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته، وصدق رُسُله فيما أخبروا به عنه٦.
(١) س: "فإذا". ز: "وإن".
(٢) ف، ز: "صغير حقير".
(٣) أي لا يقدر ثمنه من عزته ونفاسته وعظم قدره.
(٤) أي لا عوض عنه ولا نظير له، كما جاء في حديث أسامة بن زيد: "ألا مشمّر للجنة، فإن الجنّة لا خطر لها" رواه ابن ماجه في كتاب الزهد (٤٣٣٢). وقال المصنف في زاد المعاد (٤/ ٢٧٣): "فلا تبع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلب آلامًا". وقال في المدارج (٣/ ٢٨٥): "الحياة الدائمة الباقية التي لا خطر لها من هذه الحياة الزائلة الفانية التي لا قيمة لها". ولكن جعل "لا قيمة لها" هنا للشيء الحقير.