وتجرَّدْ، وقُمْ لله ناظرًا أو مناظرًا، حتى يتبين لك أنّ ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك فيه، وأنّ خالق هذا العالم وربّ السموات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزّه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه. ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه، وكذّبه، وأنكر ربوبيته وملكه. إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملِك الحقّ عاجزًا أو جاهلًا، لا يعلم شيئًا، ولا يسمع١، ولا يبصر، ولا يتكلّم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعزّ من يشاء ولا يذل٢ من يشاء، ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها، ولا يعتني بأحوال رعيته، بل يتركهم سدًى، ويخلّيهم همَلًا.
وهذا يقدح في مُلك آحاد ملوك البشر ولا يليق به، فكيف يجوز نسبة الملِك الحق المبين إليه؟
وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه٣ نطفة إلى حين كماله واستوائه٤، تبيّن له أنّ٥ من عني به هذه العناية٦، ونَقَله إلى هذه الأحوال، وصرّفه في هذه الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدًى، لا يأمره ولا ينهاه، ولا يعرّفه حقوقَه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه.
ولو تأمل العبد حقّ التأمل لكان كلّ ما يبصره وما لا يبصره دليلًا له
(١) ز: "أو لا يسمع".
(٢) س، ز: "ويذل".
(٣) ف: "بدء كونه". ز: "مبدأ حال كونه".
(٤) ز: "كماله واصطفائه".
(٥) ز: "أنه".
(٦) ل: "عني لهذه الغاية".
على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب "أيمان القرآن"١ عند قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ٤٠﴾[الحاقة: ٣٨ - ٤٠].
وذكرنا٢ طرفا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ٢١﴾[الذاريات: ٢١]، وأنّ الإنسان دليل لنفسه٣ على وجود خالقه، وتوحيده، وصدق رسله، وإثبات صفات كماله٤.
فقد بان أنّ المضيِّع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه، وتقدير تكذيبه وشكّه٥.
فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل٦؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك٧ ليعاقبه أشدَّ عقوبة، أو يكرمه أتمَّ كرامة، ويبيت٨ ساهيًا غافلًا، لا يتذكر٩
(١) وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن". انظر ص ١٠٩.
(٢) ف: "وقد ذكرنا".
(٣) ل: "دليل نفسه"، وكذا في خا.
(٤) التبيان في أقسام القرآن (١٩٠).
(٥) ز: "تكذيبه رسله"، تحريف.
(٦) كذا في النسيخ كلها. وفي حاشية س: "تخلّف"، وفوقه: "ظ خ"، يعني أن الظاهر "تخلّفُ" كما في نسخة أخرى، ليكون معطوفًا على "التصديق"، ولا شك أن وجه الكلام كما قال صاحب الحاشية. ومقصود المؤلف ظاهر.