الداء والدواء

فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدمُ استحضاره وغَيبتُه عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها، لاشتغاله بما يضادّه، وانضمّ إلى ذلك تقاضي الطبع، وغلَباتُ الهوى، واستيلاءُ الشهوة، وتسويلُ النفس، وغرورُ

الشيطان، واستبطاءُ الوعد، وطولُ الأمل، ورقدةُ الغفلة، وحبُّ العاجلة، ورُخَصُ التأويل، وإلفُ العوائد = فهناك لا يمسك الإيمانَ إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.

ولهذا السبب١ يتفاوت الناس في الإيمان حتى ينتهي إلى أدنى أدنى٢ مثقال ذرة في القلب٣.

وجمَاعُ هذه الأسباب يرجع٤ إلى ضعف البصيرة والصبر٥. ولهذا مَدح الله سبحانه أهل الصبر٦ واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾ [السجدة: ٢٤].

  1. = في تاريخ بغداد (٣/ ٤١٨). وهو حديث منكر، من منكرات محمَّد بن محمَّد بن مرزوق الباهلي. قال ابن عدي: "لم أر لابن مرزوق هذا أنكر من هذين الحديثين -أي هذا، وآخر في الصيام -وهو لين، وأبوه محمَّد بن مرزوق ثقة". وانظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٣٨٥). (ز).
  2. (١) س: "وبهذا السبب".
  3. (٢) كلمة "أدنى" وردت في ف مرة واحدة.
  4. (٣) "الناس … ذرة في" ساقط من ل. وكذا من خا.
  5. (٤) ز: "ترجع". ل: "وجمع … ترجع".
  6. (٥) ف: "التصبر". وفي س: "البصر"، خطأ.
  7. (٦) ل: "ولهذا سبحانه مدح أهل البصيرة". و"البصيرة" خطأ.
85

فصل

فقد تبين١ الفرق بين حسن الظن والغرور، وأنّ حسن الظن إن حمل على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح. وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي، فهو غرور.

وحسن الظن هو الرجاء. فمن كان رجاؤه حاديًا٢ له على الطاعة، زاجرًا له عن المعصية، فهو رجاء صحيح. ومن كانت بطالته رجاءً، ورجاؤه بطالةً وتفريطًا، فهو المغرور.

ولو أن رجلًا له أرض يؤمّل أن يعود عليه من مُغَلِّها ما ينفعه فأهملها، ولم يبذُرها، ولم يحرثها، وأحسن ظنه بأنه يأتي من مغلّها ما يأتي مَن حَرَث٣، وبَذَر، وسقَى، وتعاهَد الأرضَ، لعدَّه الناس من

أسفه السفهاء.

وكذلك لو حسّن ظنَّه وقوّى رجاءَه٤ بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلمَ أهل زمانه٥ من غير طلبِ للعلم٦ وحرص تامّ عليه، وأمثال ذلك.

  1. (١) ل: "قد تبين".
  2. (٢) س، ز: "جاذبًا"، تصحيف.
  3. (٣) ف: "من غير حرث"، وهو وجه جيّد. والغريب أن ناسخ ل ضبط "من" بفتح الميم، و"حرث" بتنوين الكسرة.
  4. (٤) ضبط في ف، ل: "حسّن" بالشدّة. و"رجاوه " فيهما وفي غيرهما بالواو. ونحوه فيما يأتي.
  5. (٥) س: "أعلم زمانه".
  6. (٦) "للعلم" من ل، وكذا في خا. وفي غيرهما: "العلم".
86

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي