الداء والدواء

فصل

فقد تبين١ الفرق بين حسن الظن والغرور، وأنّ حسن الظن إن حمل على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح. وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي، فهو غرور.

وحسن الظن هو الرجاء. فمن كان رجاؤه حاديًا٢ له على الطاعة، زاجرًا له عن المعصية، فهو رجاء صحيح. ومن كانت بطالته رجاءً، ورجاؤه بطالةً وتفريطًا، فهو المغرور.

ولو أن رجلًا له أرض يؤمّل أن يعود عليه من مُغَلِّها ما ينفعه فأهملها، ولم يبذُرها، ولم يحرثها، وأحسن ظنه بأنه يأتي من مغلّها ما يأتي مَن حَرَث٣، وبَذَر، وسقَى، وتعاهَد الأرضَ، لعدَّه الناس من

أسفه السفهاء.

وكذلك لو حسّن ظنَّه وقوّى رجاءَه٤ بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلمَ أهل زمانه٥ من غير طلبِ للعلم٦ وحرص تامّ عليه، وأمثال ذلك.

  1. (١) ل: "قد تبين".
  2. (٢) س، ز: "جاذبًا"، تصحيف.
  3. (٣) ف: "من غير حرث"، وهو وجه جيّد. والغريب أن ناسخ ل ضبط "من" بفتح الميم، و"حرث" بتنوين الكسرة.
  4. (٤) ضبط في ف، ل: "حسّن" بالشدّة. و"رجاوه " فيهما وفي غيرهما بالواو. ونحوه فيما يأتي.
  5. (٥) س: "أعلم زمانه".
  6. (٦) "للعلم" من ل، وكذا في خا. وفي غيرهما: "العلم".
86

فكذلك١ من حسّن ظنه وقوّى رجاءه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى٢ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وبالله التوفيق.

وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨].

فتأمَّلْ كيف جعل رجاءَهم إتيانَهم بهذه الطاعات! وقال المغترون٣: إنّ المفرِّطين المضيِّعين لحقوق الله٤، المعطِّلين لأوامره، الباغين على عباده، المتجرّئين على محارمه = أولئك يرجون رحمة الله!

وسرّ المسألة أنّ الرَّجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه، وقدَره، وثوابه وكرامته؛ فيأتي العبد بها، ثم يحسن٥ ظنّه بربه، ويرجوه أن لا يكِلَه إليها، وأن يجعلها موصلةً إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها، ويبطل أثرها.

فصل

ومما ينبغي أن يعلم أنّ من رجا شيئًا استلزم رجاؤه أمورًا:

أحدها: محبة ما يرجوه.

الثاني: خوفه من فواته.

  1. (١) ف، ل: "وكذلك".
  2. (٢) ف، ز: "من غير تقرب إلى الله".
  3. (٣) ف: "المغرورون".
  4. (٤) ل: "حقوق الله".
  5. (٥) ز: "ويحسن".
87

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي