والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف. ونحن جمعنا بين التقصير -بل التفريط- والأمن! فهذا الصدّيق يقول: "وددتُ أنّي شعرة في جنب عبد مؤمن". ذكره أحمد عنه١.
وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد!٢
وكان يبكي كثيرًا، ويقول: ابكوا، فإنْ لم تبكُوا فتباكَوا٣.
وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله ﷿٤.
= فيخشى من وهمه. وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: " … وغيره يرويه عن عبد الرحمن مرسلًا عن عائشة، وهو المحفوظ". وهذا حكم على حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن عائشة بأنه غير محفوظ، وترجيح طريق مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد عن عائشة المتقدم عند الترمذي. انظر علل الدارقطني (١١/ ١٩٣).
(١) في الزهد (٥٥٩). وفي سنده ضعف.
(٢) أخرجه أحمد في الزهد (٥٦١) من طريق الثوري عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: رأيت أبا بكر ﵁ آخذًا بلسانه، فذكره. ورواه الإِمام مالك وهشام بن سعد وابن عجلان وغيرهم عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر دخل على أبي بكر فذكره. أخرجه مالك في الموطأ (٢٨٢٥) وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٥٧٩) وغيرهما. وسنده صحيح. انظر علل الدارقطني (١/ ١٥٩ - ١٦١). ورواه قيس بن أبي حازم عن أبي بكر، وهي رواية معلولة. انظر علل الإِمام أحمد (٥٣١٩).
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (٥٥٨).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٢٦٤) وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١٤٤) وغيرهما. مجاهد لم يدرك أبا بكر الصديق.
وأتي بطائر، فقلّبه، ثم قال: ما صِيدَ مِن صَيدٍ ولا قُطعت من شجرة إلا بما ضيّعَتْ من التسبيح١.
ولما احتضر قال لعائشة: يا بنية، إنّي أصبتُ من مال المسلمين هذه العباءة، وهذا الحِلاب٢، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب٣.
وقال: والله لودِدتُ أنّي كنتُ٤ هذه الشجرة، تؤكل وتُعضد!٥ وقال قتادة: بلغني أنّ أبا بكر قال: ودِدتُ أنّي خَضِرةٌ تأكلني الدوابّ٦.
وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور٧ حتّى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ٧﴾[الطور: ٧]، فبكى٨، واشتدّ بكاؤه، حتى مرض وعادُوه٩.
(١) أخرجه أحمد في الزهد (٥٦٦).
(٢) الحِلاب والمِحلَب: الإناء الذي يحلب فيه اللبن. النهاية (١/ ٤٢١).
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (٥٦٧).
(٤) "كنت" ساقط من ل.
(٥) أخرجه أحمد في الزهد (٥٨٠).
(٦) أخرجه أحمد في الزهد (٥٨٢).
(٧) س: "سورة فيها الطور". وقد سقط "الطور" من ل.
(٨) ف، ز: "بكى".
(٩) لم أقف عليه. لكن أخرج ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (١٠٠) من طريق الشعبي قال: سمع عمر بن الخطاب رجلًا يقرأى ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ٧ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ٨﴾ جعل يبكي حتى اشتد بكاؤه، ثم خرّ يضطرب. فقيل له في ذلك، فقال: "دعوني فإني سمعت قسم حقٍّ من ربي". قلت: والشعبي لم يدرك عمر بن الخطاب. وفي الرواية نكارة، فلم يثبت عن الصحابة السقوط والصعق والغشي عند سماع القرآن، وإنما وقع هذا فيمن بعدهم بقلّة وكثر في المتأخرين. وحال النبي ﷺ والصحابة أكمل وأفضل. وقد نبه على ذلك شيخ =