يذوب فيه قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء". قيل: مِمّ١ ذاك يا رسول الله؟ قال: "مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره٢ ".
وذكر الإِمام أحمد٣ من حديث جرير أن النبي ﷺ قال: "ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه٤، إلا عمّهم الله بعقاب".
وفي صحيح البخاري٥ عن أسامة بن زيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أيْ فلان، ما شأنك؟ ألستَ كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر
(١) س: "بم".
(٢) في حاشية س: "خ المنكرَ لا يقدر على دفعه".
(٣) في المسند ٤/ ٣٦٤ (١٩٢٣٠). وأخرجه أبو داود (٤٣٣٩) وابن ماجه (٤٠٠٩) والطيالسي (٦٩٨) والطبراني ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٢٣٨٠ - ٢٣٨٥) وابن حبان (٣٠٠، ٣٠٢) وغيرهم، من طريق شعبة وإسرائيل ويونس ومعمر وأبي الأحوص، وغيرهم، كلهم عن أبي إسحاق عن عبيد الله بن جرير عن أبيه جرير، فذكره. وخالفهم شريك فرواه عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير فذكره. أخرجه أحمد (١٩١٩٢) والطبراني (٢٣٧٩). ورواية الجماعة أشبه بالصواب. والحديث فيه عبيد الله بن جرير، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: مقبول. انظر تهذيب الكمال (١٩/ ١٧) والتقريب (٤٢٨٠). والحديث له شواهد عدّة كحديث أبي بكر المتقدم وغيره.
(٤) س: "ولم يغيّروه".
(٥) تقدم تخريجه في ص (٥٢).
وآتيه".
وذكر الإِمام أحمد١ عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزلَه الرجالُ والنساءُ، فيعظهم، ويذكّرهم بأيام الله. فرأى بعض بنيه يومًا يغمِز النساء، فقال: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني. فسقط من سريره، فانقطع نُخاعه، وأسقطت امرأته، وقُتل بنوه. فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبِرْ فلانًا الحَبْرَ أني لا أخرج٢ من صلبك٣ صِدِّيقًا أبدًا. ما كان غضبُك لي إلا أن قلتَ: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني!
وذكر الإِمام أحمد٤ من حديث عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وأنّ رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيعُ القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود٣، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها.
وفي صحيح البخاري٦ عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدقّ في أعينكم من الشعر٧، إنْ كنّا لَنعُدّها على عهد رسول
(١) في الزهد (٥٢٤). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٧٢).
(٢) ز: "أن لا أخرج".
(٣) ف: "من ظهرك".
(٤) سبق تخريجه في ص (٧٠).
(٣) "والرجل يجيء بالعود" ساقط من ل.
(٦) كتاب الرقاق، باب ما يتقى من محقرات الذنوب (٦٤٩٢).