وذكر أيضًا١ عن وكيع، حدثنا زكريا، عن عامر قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أما بعد، فإنّ العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامدُه من الناس ذامًا.
وذكر أبو نُعَيم٢ عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء قال: لِيحذَرْ امرؤ أن تلعنه قلوبُ المؤمنين، من حيث لا يشعر. ثم قال: أتدري ممّ هذا؟ قلتُ: لا. قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله٣، فيُلقي الله بغضَه في٤ قلوب المؤمنين، من حيث لا يشعر.
(١) في الزهد (٩١٥). ورجاله ثقات. وزكريا يدلس، والشعبي لم يسمع من عائشة كما قال ابن معين. فرواه عبدة وعبيد الله بن معاذ عن زكريا عن عباس بن ذريح عن الشعبي عن عائشة موقوفًا. أخرجه أبو داود في الزهد (٣٣٧) والخطيب في الكفاية (٤٨٥). ورواه ابن عيينة عن زكريا عن عباس بن ذريح عن الشعبي به مرفوعًا. أخرجه الحميدي في مسنده (٢٦٦). والحديث جاء من طرق أخرى مرفوعة وموقوفة، وهو عند أهل الحديث النقاد موقوف على عائشة. ولهذا قال الدارقطني: "رفعه لا يثبت". وقال العقيلي: لا يصح في الباب مسندًا، وهو موقوف من قول عائشة". انظر الضعفاء الكبير ٣/ ٣٤٣ وحاشية الزهد لأبي داود (٢٨٤ - ٢٨٥).
(٢) في الحلية (١/ ٢١٥) وفي سنده انقطاع. سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي الدرداء. وأخرجه أحمد في الزهد (٧٦٦) عن ابن عيينة قال: قال أبو الدرداء، فذكره مختصرًا.
(٣) س: "يخلو بالمعاصي"، وأشير في الحاشية إلى ما في غيرها.
(٤) "في" ساقطة من ز.
وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه١ عن محمَّد بن سيرين: أنّه لمّا ركبه الدَّينُ اغتمّ لذلك، فقال: إنّي لأعرفُ هذا الغمَّ بذنب أصبتُه منذ أربعين سنة!
وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنّهم لا يرون تأثيرَه في الحال، وقد يتأخّر تأثيره فيُنسَى٢، ويظنّ العبد أنه لا يغبِّر٣ بعد ذلك، وأنّ الأمر كما قال القائل:
إذا لم يغبِّرْ حائطٌ في وقوعهفليس له بعد الوقوع غبارُ٤
وسبحان الله! ماذا٥ أهلكت هذه البليّة٦ من الخلق! وكم أزالت من نعمة! وكم جلبت من نقمة!
وما أكثر المغترّين بها من العلماء، فضلًا عن الجهال! ولم يعلم٧ المغترّ أنّ الذنب ينقُض، ولو بعد حين، كما ينقُض السمّ، وكما ينقُض الجرح المندمل على الغِشّ والدَّغَل.
(١) لم أقف عليه في المطبوع، وهو ناقص. والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧١) وابن عساكر في تاريخه (٥٣/ ٢٢٦)، وهو ثابت عنه. وانظر ذم الهوى (١٧٠).
(٢) "فينسى" ساقط من ز. وفي ف: "فينسى فيظن".
(٣) "لا يغبّر": لا يثير الغبار، يعني لا يرى أثر الذنب بعد ذلك. وفي ف: "لا يغير" بالياء، ولعله تصحيف، فإن عبارة المؤلف ناظرة إلى البيت الآتي.
(٤) س: "بوقوعه".
(٥) س: "فإذا"، تحريف. ف: "ما"، ل: "ما هذا".
(٦) ل، ز: "النكتة"، تصحيف. انظر الصواعق المرسلة (٤٤٥).