الداء والدواء

وليس على القلب أمَرُّ من وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان١.

ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبيّن الناس، ولا سيما أهل الخير منهم، فإنّه يجد وحشةً بينه وبينهم، وكلّما قويت تلك الوحشة بَعُدَ منهم ومن مجالستهم، وحُرِمَ بركة الانتفاع بهم، وقرُبَ من حزب الشيطان بقدر ما بعُد من حزب الرحمن. وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبيّن امرأته وولده وأقاربه، وبينه وبيّن نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه!

وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خُلُق دابّتي وامرأتي٢.

ومنها: تعسير أموره عليه. فلا يتوجّه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسّرًا عليه. وهذا كما أنّ من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطّل التقوى جعل له من أمره عسرًا.

ويالله العجب! كيف يجد العبد أبوابَ الخير والمصالح مسدودةً عنه، وطرُقَها معسَّرةً عليه، وهو لا يعلم من أين أُتِيَ؟

ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقةً، يحسّ بها كما يحس بظلمة

  1. = المنتخل (٢/ ٥٥٧):
    أمستوحشٌ أنت ممّا صنعتَ
  2. (١) ف: "والله المستعان".
  3. (٢) من كلام فضيل بن عياض. ولفظه في الحلية (٨/ ١٠٩): " … فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي".
134

الليل البهيم إذا ادلهمَّ، فتصير ظلمةُ المعصية لقلبه كالظلمة الحسّية لبصره. فإنّ الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلّما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتّى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده. وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه١ يراه كلّ أحد.

قال عبد الله بن عباس٢: إنّ للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق. وإنّ للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغِضةً في قلوب الخلق٣.

  1. (١) ز: "في الوجه".
  2. (٢) قارن بما نقله المصنف عن ابن عباس وأنس في روضة المحبين (٥٨٦).
  3. (٣) لم أقف عليه. وقد ورد نحوه عن الحسن البصري ومالك بن دينار وإبراهيم بن أدهم وأنس بن مالك مرفوعًا.
    فأما الحسن، فأخرج قوله ابن أبي الدنيا في التوبة (١٩٧،١٩٣) والبيهقي في الشعب (٦٨٢٦) وغيرهما بلفظ "إن الرجل ليعمل الحسنة فتكون نورًا في قلبه، وقوة في بدنه. وإن الرجل ليعمل السيئة فتكون ظلمة في قلبه، ووهنًا في بدنه". هذا لفظ ابن أبي الدنيا، وسنده صحيح.
    وأما مالك بن دينار، فأخرج كلامه أحمد في الزهد (١٨٧٦) بلفظ "إن لله ﵎ عقوبات في القلوب والأبدان، وضنكًا في المعيشة، وسخطًا في الرزق، ووهنًا في العبادة".
    وأما إبراهيم بن أدهم فقال: "إن للذنوب ضعفًا في القوة، وظلمةً في القلب وإن للحسنات قوة في البدن ونورًا في القلب". أخرجه البيهقي في الشعب (٦٨٢٧).
    وأما حديث أنس بن مالك، فذكره ابن أبي حاتم في العلل (١٩٠٩) وقال: "هذا حديث منكر، وأبو سفيان مجهول".
135

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي