الداء والدواء

ومنها: أن المعاصي تقصّر العمر١، وتمحق بركته، ولابدّ؛ فإنّ البرّ كما يزيد في العمر، فالفجور٢ يقصّر العمر.

وقد اختلف٣ الناس في هذا الموضع. فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهابُ بركة عمره ومحقُها عليه. وهذا حقّ، وهو بعض تأثير المعاصي.

وقالت طائفة: بل تنقصه٤ حقيقة، كما ينقص الرزقُ. فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابًا تكثِّره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابًا تكثِّره وتزيده٥.

قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب. والأرزاق٦ والآجال، والسعادة والشقاوة، والصحّة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الربّ ﷿، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جَعَلها موجِبةً لمسبَّباتها مقتضيةً لها.

وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنّما هو بأنّ

  1. (١) "العمر" ساقط من س.
  2. (٢) في ز: "وإنّ البرّ … والفجور" بالواو مكان الفاء، وهو خطأ.
  3. (٣) ف: "وقد تكلم".
  4. (٤) "بل" ساقطة من ف. وفيما عدا ل: "ينقصه".
  5. (٥) "وللبركة … وتزيده" ساقط من ف.
  6. (٦) ل: "فالأرزاق".
137

حقيقة الحياة هي حياة القلب، ولهذا١ جعل الله سبحانه الكافر ميتًا غير حيّ، كما قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره. فالبرّ والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها.

وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غبَّ إضاعتها يوم يقول: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤﴾ [الفجر: ٢٤]. فلا يخلو إمّا أن يكون له٢ مع ذلك تطلّع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية، أو لا. فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك٣، فقد ضاع عليه عمره كلّه، وذهبت حياته باطلًا. وإن كان له تطلع إلى ذلك٤ طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسّرت عليه أسباب الخير، بحسب اشتغاله بأضدادها، وذلك نقصان حقيقي من عمره.

وسرّ المسألة أنّ عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه٥، والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته.

  1. (١) ز: "حياة القلوب ولقد".
  2. (٢) "له" ساقط من ل.
  3. (٣) ف: "مع ذلك إلى ذلك".
  4. (٤) "فقد ضاع … إلى ذلك" ساقط من س.
  5. (٥) س: "بالإقبال … ". ف: "بإقباله عليه"، وصححه بعضهم في الحاشية.
138

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي