ومنها: أنّ المعاصي تزرع أمثالَها ويولّد١ بعضها بعضًا حتى يعزّ٢ على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إنّ من عقوبة السيئةِ السيئةَ بعدها، وإنّ من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها٣. فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرًّا، فتضاعف الربح٤، وتزايدت الحسنات. وكذلك جانب٥ السيئات أيضًا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة. فلو عطّل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحسّ من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء، حتىّ يعاودها، فتسكن نفسه، وتقرّ عينه.
ولو عطّل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسُه، وضاق صدره، وأعيَتْ عليه مذاهبُه، حتى يعاودها. حتى إنّ كثيرًا من الفسّاق لَيواقع٦ المعصية من غير لذة يجدها، ولا داعية إليها، إلا لما
(١) ل، ز: "تولد".
(٢) ف: "يعسر".
(٣) ذكره المؤلف في طريق الهجرتين (٤٨٦)، وضمّنه كلامه في المدارج (١/ ١٨٤)، والفوائد (٣٥). ونسبه شيخ الإِسلام إلى سعيد بن جبير. مجموع الفتاوى (١٠/ ١١)، وانظر (١٥/ ٢٤٦)، ل (١٨/ ١٧٧).
(٤) ف: "الزرع".
(٥) ز: "كانت".
(٦) ف: "وحتى إنّ … يواقع".
يجد من الألم بمفارقتها؛ كما صرّح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول:
وكأسٍ شربتُ على لذةوأخرى تداويتُ منها بها١
وقال آخر٢:
فكانت دوائي وهي دائي بعينهكما يتداوى شارب الخمر بالخمر٣
ولا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبّها، ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها٤ أزًّا، وتحرّضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها٥. ولا يزال يألف المعاصي، ويحبّها، ويؤثرها٦، حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا.
فالأول قوّى جندَ الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه. وهذا
(١) ف: "فكاسٌ"، س: "وكاسًا". وكذا نسبه المؤلف هنا إلى أبي نواس، ونحوه في زاد المعاد: "قال شيخ الفسوق" (٤/ ٢٠٩). والبيت للأعشى في ديوانه (٢٢٣). أما بيت أبي نواس الذي في معناه فهو: دَعْ عنك لومي فإنَّ اللوم إغراءُ … وداوِني بالتي كانت هي الداءُ انظر ديوانه (٦).
(٢) ف: "الآخر".
(٣) س، ز: "وكانت". ز: "وهو دائي". والشطر الثاني من بيت مشهور ينسب إلى المجنون (ديوانه: ١٢٢) وإلى قيس بن ذريح (شعره: ٩٥)، صدره: تداويتُ من ليلى بليلى عن الهوى ولعلّ قائل البيت الذي نقله المؤلف ضمّن الشطر الثاني.