الداء والدواء

يجد من الألم بمفارقتها؛ كما صرّح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول:

وكأسٍ شربتُ على لذةوأخرى تداويتُ منها بها١

وقال آخر٢:

فكانت دوائي وهي دائي بعينهكما يتداوى شارب الخمر بالخمر٣

ولا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبّها، ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها٤ أزًّا، وتحرّضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها٥. ولا يزال يألف المعاصي، ويحبّها، ويؤثرها٦، حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا.

فالأول قوّى جندَ الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه. وهذا

  1. (١) ف: "فكاسٌ"، س: "وكاسًا". وكذا نسبه المؤلف هنا إلى أبي نواس، ونحوه في زاد المعاد: "قال شيخ الفسوق" (٤/ ٢٠٩). والبيت للأعشى في ديوانه (٢٢٣). أما بيت أبي نواس الذي في معناه فهو:
    دَعْ عنك لومي فإنَّ اللوم إغراءُ … وداوِني بالتي كانت هي الداءُ
    انظر ديوانه (٦).
  2. (٢) ف: "الآخر".
  3. (٣) س، ز: "وكانت". ز: "وهو دائي". والشطر الثاني من بيت مشهور ينسب إلى المجنون (ديوانه: ١٢٢) وإلى قيس بن ذريح (شعره: ٩٥)، صدره:
    تداويتُ من ليلى بليلى عن الهوى
    ولعلّ قائل البيت الذي نقله المؤلف ضمّن الشطر الثاني.
  4. (٤) "إليها" ساقط من ز.
  5. (٥) "وتحرضه … إليها" ساقط من ف.
  6. (٦) "ويؤثرها" ساقط من ف.
140

قوّى جندَ المعصية بالمدد، فكانوا١ أعوانًا عليه.

فصل

ومنها -وهو من أخوفها على العبد- أنها تُضعِف القلبَ عن إرادته٢، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله. فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذّابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مُصِرّ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنَتْه٣.

وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.

فصل٤

ومنها: أنه ينسلخ٥ من القلب استقباحُها، فتصير٦ له عادةً، فلا يَستقبح من نفسه رؤيةَ الناس له، ولا كلامَهم فيه.

وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتّك وتمام اللذة، حتّى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدّث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملتُ كذا وكذا!

  1. (١) ل: "وكانوا".
  2. (٢) "فصل … إرادته" لم يرد في ف. فقوله: "فكانوا أعوانًا عليه" موصول بقوله: "فتقوى إرادة المعصية".
  3. (٣) ف: "أمكنه".
  4. (٤) كلمة "فصل" لم ترد في ز.
  5. (٥) ل: "أن تنسلخ".
  6. (٦) ما عدا ف: "فيصير".
141

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي